تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
تنطلق من واقع البيئة الخليجية
مستويات الدلالة بين الرحيل والميلاد
بقلم:سيد
الوكيل
قصص جمال فايز أشبه ما تكون بحالات تعبيرية مختصرة عن أفكار ومشاهد تنطلق من
واقع البيئة الخليجية وتنتهي إليها، ولذلك فهي ذات بعد اجتماعي واضح، فهي في سبيلها
إلى العناية بمكونات المكان الطبيعية تبدو شديدة التعاطف مع مصير إنسان المكان،
فحتي القصص التي تظهر لنا كلوحات تعبيرية مجردة من التفاصيل الواقعية، لا تخلو هي
الأخرى من هذا البعد الاجتماعي الذي يربط المكان بإنسانه.
قصة «قرابين مياه البحر» هي أكثر قصص المجموعة تجريدية ومفارقة للواقع
للطابع الغرائبي وغياب عنصر الشخصية فيها، حيث نجدها في لغة وصفية عن
بحر راحت أمواجه تتجمع في وحدات متفرقة سرعان ما بدأت تتصارع في مشهد
كابوسي، والأصل في البحر هو تلك الوحدة اللونية والحركية التي تمنح
المكان حولنا إحساساً بالبساطة والسلام،
لكن تغيراً ما في طبيعة الأشياء يفقد هذه البيئة طابع التناغم والانسجام «مياه
البحر، مغبرة أعماقه.. مشوهة معالمه لا تعرف إلى أين تتجه أمواجه، أو إن كانت في
حالة مد أو جزر» ربما لا نجد في هذا المقطع ما يرغمنا على قراءته عبر الإسقاط
الاجتماعي غير أن هذا الهاجس سيلازم القارىء منذ القصة الأولى والتي تتحرك على نحو
درامي لترصد مظهراً من مظاهر التغير السريع الذي يقضي على حياة البساطة الجميلة
بوحشية، فمشهد الشاحنات والروافع وهي تتحرك على الشاطىء لترص عليه الأحجار الضخمة
فتحجب البحر وتجثم على رماله الناعمة الذهبية وما تبقى من محار، لهو مشهد دال بفنية
عالية، ومحتشد بمجمعة من العلامات المكانية والزمانية التي يمكن قراءتها عبر
المفارقة، على موضوع التحولات الاجتماعية التي واكبت طفرة التحديث في المجتمع
الخليجي، وهو شأن كل تحديث له ضحايا، حيث يجرف معه بقايا الأشياء الجميلة، التي
ترتبط وجدانياً بإنسان المكان، فيتعاظم فيه إحساس الاغتراب والوحشية وهو يرى عالمه
الحميم يتداعى حتى ليبدو أن الإنسان نفسه هو ضحية هذا التغير، وفي مشهد مؤثر وبالغ
الدلالة سنرى أحد الصيادين وقد جاءت الرافعات والشاحنات تحمل سفينته الخشبية
القديمة إلى ساحة الإعدام، عندئذ يتحرك الصياد في اتجاه البحر حيث يسلم نفسه للموت
في أعماقه، وعلينا أن ننتبه إلى تباين الإيقاع الحركي الذي يعمق دلالة المشهد،
فخروج السفينة من الماء يقابله دخول الصياد إليه، وكلاهما علامة على موت صاحبه،
وعلى المستوى الصوتي سيصل إلينا موال يغنيه الصياد بصوت شجي يحتضر بين جوقة من
الأصوات الأخرى «أصوات ماكينات الرافعات، وزمجرة السلاسل الحديدية، وأنات صفير
الهواء، الخارج من تجاويف السفينة وهدير البحر، وطيور النورس».
إن الإنصات الرهيف لمفردات المكان وتوظيفها درامياً وإيقاعياً هو ما يجعل من
النص حالة شعورية تعبر عن إنسان المكان، بمعنى أن كلاً من الإنسان والمكان يتبادلان
الأدوار لإنتاج الدلالة الكلية في نفس الوقت الذي يدل كل منها على الآخر ويشير
إليه، فجمال فايز يجيد توظيف العلامات على نحو مدهش، فاللون الأبيض في قصة «بشر من
الأكفان» يتحول إلى علامة متعددة الدلالات يتعدد الموسوف» لباسهم لونه أبيض..
قلوبهم دماؤهم.. مشاعرهم.. تصرفاتهم آراؤهم.. تفكيرهم. قراراتهم جميعاً لا تنال من
الدرجات إلا درجة اللون الأبيض «ومن جهة أخرى فعلى المستوى التشكيلي لا يعتبر
الأبيض لوناً، كما أن وجوده لا يتعين إلا بألوان أخرى، فإذا كانت كل مفردات العالم
بيضاء فكأن العالم لا وجود له، ومن الطريف أن اللون الوحيد الذي يخدش بياض اللوحة
هو اللون الرمادي لدخان سيجارة، وكأننا أمام عالم قد احترق وليس من شيء يدل على
وجوده سوى الدخان، إن هذا المعنى «عالم قد احترق يتعمق بإشارة إلى بلاد هولاكو» في
مفارقة ساخرة، فبلاد هولاكو التي دمرت المدينة وأزالت الحضارة قديماً، تعود اليوم
بحضارة تدمر عالم البساط والجمال، وتحيل البشر إلى مجموعة من الموتى المسربلة في
الأكفان.
وفي قصة «يوم العيد» تقف النخلة كرمز على الأصالة والسمو ومعادل تقني
للشخصية التي تقاوم الوحدة وعقوق الأبناء، ولكن يد الزمن تمتد- أيضاً- إليها
فتجوفها تدعها آيلة للسقوط.
وهكذا. فليس ثمة مبالغة لو قلنا أن المجموعة كلها تقوم على بحر من الرموز
والعلامات والإشارات التي يوظفها جمال فايز بوعي تقني دقيق ولكنه أحياناً يصبح
نوعاً من الهندسة الذهنية التي تنتصر للمعنى على حساب الفن، فالصقر الذي تساقط ريشه
في قصة «الصقر» يصبح علامة على الوهن والضعف الذي ألم بالمجتمع العربي، كما أنه
علامة على تحولات الزمن- أيضاً- فهذا الطائر كان في صباه يفرد جناحيه فيمتد ظلهما
من المحيط إلى الخليج.
إن الجملة الأخيرة «من المحيط إلى الخليج» تكاد تزعق في أذن القارىء.. انتبه
للدلالة السياسية، والحقيقة إن ثمة صورة مشابهة تشيع في التراث العربي عن نسور
معمرة يصيبها الوهن لتصبح رمزاً على تحولات الزمن وكان من الممكن الاكتفاء بها، لكن
جمال فايز لن يفوت الفرصة حتى يمارس هوايته في الإسقاط، سواء الاجتماعي أو السياسي
وهما لا ينفصلان في الحقيقة.
وعموماً فهذا الصوت الزاعق قليل من حسن الحظ، والقصص التي أفلتت من آلية
الإسقاط برزت على نحو جمالي ودلالي داخل المجموعة وأهمها قصة «الرحيل والميلاد»
التي اعتبرها جمال فايز درة الكتاب فمنحه اسمها وهو محق.
قصة «الرحيل والميلاد» تطرح علاماتها بدءاً من العنوان دونما قصدية فأحداث
القصة شديدة الواقعية وغنية بالتفاصيل التي تعمق الحس الإنساني وتستخلص حكمة الوجود
فموت البعض احياء للآخرين، والحقيقة أن هذه القصة بالذات تلقي بظلالها على المجموعة
كلها وتجعل منها وحدة واحدة ليس فقط على مستوى دلالي، ولكن أيضاً على المستوى
الجمالي، ففي هذه القصة تتحقق روح المفارقة التي تقيم أود معظم النصوص كما أنها
تؤازر بين المكان والزمان اللذين يتناوبان العمل على إنتاج الطاقة السردية في
المجموعة كلها، فالمسجد العتيق والمقبرة والشجرة المعمرة علامات مكانية ولكنها تشير
في نفس الوقت إلى الزمن، وتآزرهما معاً ينتج دلالة التحول والصيرورة «الوجود
والعدم»، فأبوعبدالله انتهى للتو من دفن صديق طفولته رفيق العمل الطويل، وهو نفسه
في حالة من الوهن الذي يجعله غير قادر على العودة إلى بيته، فالعالم كله يتداعى لكن
وسط هذا الموت ثم حياة تنفتح في مشهد لعصفورة تحتضن صغارها، والحقيقة أن هذه القصة
التي تمنح اسمها للمجموعة كلها هي أكثر القصص احتشاداً بالتفاصيل ربما لطولها
نسبياً، كما أن حركة السرد فيها متعددة وفقاً للزمن الذي يمتد من المهد إلى اللحد
ويعاود حركتها من أخرى فينبثق ميلاد جديد من قلب الموت
أن جمال فايز قاص شديد الإنصات لخطوات الزمن يتفقد أثرها بحصافة «قصاص»، وهو
لا يألو جهداً في التقاط العلامات الصغيرة فيعيد توظيفها في سياق يمكننا نحن القراء
من إنتاج دلالتها، وكأننا ساهمنا معه في كتابة النص.
--------------
* نشرت في جريدة الشرق القطرية، صفحة آداب وفنون، 30/11/2003م ، صفحة رقم: 37،
العدد: 5645، بقلم الناقد والكاتب المسرحي سيد الوكيل