الكهــل
الصغيـر
قصة قصيرة
1
منذ أن جاءت الى المدينة الغيمة الكبيرة . وحجبت عن أهلها أشعة الشمس .
وماؤها لا يكف عن الهطول صباحاً ومساءً . فنبت العشب الأخضر في كل الارجاء .
وعم الخير كل الأحياء . ومع مضي الأيام . هدمت البيوت المبنية من الحصى والطين
. وظهرت بدلاً منها القصور المقامة من الأسمنت والحديد. وجميعها قصور فاخرة .
تكسو جدرانها الأشجار . وتتلألأ في السماء كالدرر من كثرة المصابيح التي تطوقها
من جميع الجهات . فتجذب إليها الأنظار . وتأسر القلوب . وتبهر الألباب.
2
|
في داخـل المستوصف الصـحي . طابور بشري
. ثلثه جالس على الكراسي
.. ومنهم من ملّ من طول الانتظار
. فترك المكان .
وفي المقابل . أناس يأتون ومن بينهم كهل
يتوكأ على عصاه . يئن من الألم
. وقف مثل بقية البشر
. ينتظر دوره .
نهض رجل في عقده الخامس . أشار إليه ان يجلس
في مكانه . شكره
. جدد رغبته . كرر له شكره
. وحينها .
خرج مريض من غرفة الطبيب . وتقدم الذي يليه
|
|
 |
شاب في عقده الثاني . غير أن الرجل استأذنه
في دخول الكهل ، ورد الفتى مقطب الجبين
- هذا دوري
وأجابه الرجل باسماً:
- أعرف
. والله أعرف ، لكن كبر السن
يابني لا يرحم
وقاطعه الكهل هامساً
- دعه يدخل
- تفضل .. إيه ، جيل قلبه من صخر
- يارجــــــ . . ل
- لما كنا في عمره . . .
- ذلك عهد ولكل عهد أهله
- الله يرحم تلك الأيام
أقبلت فتاه في عقدها الثالث . زائغة العينين . تحمل طفلاً في الرابعة من
عمره . تضمهُ الى صدرها . ينزف دماً من مؤخرة رأسه . ترافقها ممرضة . أدخلتها
حالة مستعجلة . أُخرج الشاب الى غرفة الانتظار . وبعد مضي ساعة من وجـودها في
غرفة الطبيب . خرجت متوجهة الى هاتف المستوصف العمومي . قاطعت الطرف الآخر: "
الو ، آنا سونيتا ، هذا ولد مال انت مات ، أجيب بيت ولا يودي المقبرة ؟"
الدوحة - يناير 1997م
-------------
* من المجموعة القصصية "الرقص على حافة الجرح"
، الطبعة الأولى الدوحة 1997م ، الطبعة الثانية القاهرة 2001م ،
الطبعة الثالثة
بيروت 2004م