تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
أطول من قامة السَـمر
بعد تردد .. بين رغبتين .. البقاء في داخل الخيمة مع أصدقائي ، أو الخروج مضطراً
إلى الخلاء ، رغم ما يتبعه من شعور بالوحشة من ظلمة الليل ، وخوف من فضاء الصحراء ،
وسماع صدى نباح كلاب الصيد ، وبرودة الجو ، استأذنت أصدقائي .. خرجت .. مشيت ..
مرشدي ضـوء القمر .. كان بدراً جميلاً ناصع البياض .. لا يحجبه غيم .. لاحظت من
بعيد ملامح شجرة سمر(1)
.. اتجهت ولا أعرف لماذا اتجهت إليها ، ربما هي الغريزة ، مجبولون نحن البشر على
البحث عن شيء يشاركنا وحدتنا حتى لو كانت شجرة ، وواصلت المشي ، وكلما اقتربت سمعت
حفيف أوراقها ، وصفيراً يخرج من أغصانها.
حين وصلت .. بهت .. احتواني الخوف .. اقشعر بدني .. شعرت بالإغماء .. الرغبة في
البكاء .. الاندفاع في صراخ لا نهاية له .. لكن أيـاً من هذا لم يحصل .. فقط ظللت
أحدق أمامي .. فتاة جميلة .. سمراء نحيفة .. أطول من قامة شجرة السمر .. ولم تبتعد
.. وأيضا لم تقترب .. فقط اكتفت بأن تبادلني النظـر .. وبقينا على هذه الحالة لوقت
لا أعلم مقداره .
مال رأسي بعفوية إلى أسفل اتتبع جلوسها .. أتعجـب من لمس رأسها أغصان الشجرة ..
أسندت ظهرها فمال قليلاًً إلى الوراء جذعها .. حينها حاولت لكن لم أستطع الهرب ..
ولم أقدر على تنفيذ نصيحة جدتي .. من الشيء الوحيد الذي يخافه الجن .. تلاوة
القـرآن الكريم بصوت مسموع .. حائر أنا غير مصدق .. خائف لا أشعر بجسمي .. لا أحس
باطن قدمي .. فقط هي قشعريرة تصيبني .. وخوف يملأ جوفي .. قلت في نفسي .. " إنه
الدليل الأكيد على أن التي أمامي جنية" ، وتذكرت مجـدداً نصيحة جدتي .. لطالما
ذكرتني بها بعد نهاية كل قصة ترويها عن الجان .. " إن شعرت بالقشعريرة ، والخوف من
المكان ، فاعلم أن بجوارك جنية وإن لم ترها ، للجن قدرة على التخفي ، فهم يروننا
لكننا لا نراهم ، أما إذا رأيتها ، ففي الغالب ستجدها أمامك قطة أو كلباً ، وهم
يفضلون اللون الأسود أو البني ، لأنه يمنحهم الحرارة التي يحتاجـون إليها ، لسرعة
التبدل من هيئة إلى أخرى .. ولكن لا تخف .. فقط استعذ بالله ، واقرأ المعوذتين ،
وآية الكرسي ، أو آخر آيتين من سورة البقرة".
انتبهت متعجباً لأنها تبتسم لي .. حدثت نفسي .. " لأعد ثلاثـاً وبعدها أعـدو أو
أصرخ" .. وحاولت مرة أخرى لكني فشلت .. شعرت بأني تحجرت في مـكاني .. خـرس لساني ،
وعجبت من أنها للآن لم تؤذني .. لم تكلمني .. لم تقترب .. ومندهش مما أراه منها ،
من طريقة نظرتها إلى يدها اليسرى .. ومن شعاع أحمر ينبعث من عينيها ، أخرجت من بطن
كفها مشطاً كبيراً جداً .. نحاسي اللون .. مقوس الشكل ، أسنانه مكسورة ، بعضه معوج
، بعضه مائل ، وبدأت تمشط شعرها .. يلامس أطراف خصلاته وجهي .. ووجدتها من جديد
فرصة ، لإعادة محاولة الهرب ، وحاولت أكثر من مرة ، لكني لم أقدر ، دفعت بجسدي
للجري فلم يتحرك ، فجأة بدأت تضحك ، وغير مدرك كم من الوقت مضى وهي تضحك قبل أن
تصمت من جديد وتسألني:
-ما
بك ؟ ، " شكلك خايف (2)"
أجبت ولا أعرف كيف نطقت:
-
أنت جنية ، صح ؟
-
بـل مجرد بنت ، جئت مع أهلي هنا للتخييم .. "وأكملت تضحك ورأسها يتمايل في حركة
دائرية ، وبعض أغصان الشجرة يتحرك لأسفل لأعلى ، زادني خيفة منها ، وشعور بجفاف في
حلقي " يعني مثلك وأصحابك .
-لا
، أنت جنية ، "وأكملت بصوت مبحوح متهدج" وإلا كيف عرفت أني جئتُ مع أصحابي ، مثلما
جئتِ مع أهلك ؟
-
حسناً ، كما تحب ، تريد مني أن أقول لك إني جنية ، حسناً.. أنا جنية.
-
وأعرف أن لكم قدرة على فعل المستحيلات.
-"
ضحكت مرة أخرى" وماذا تتمنى؟
قلت بسرعة وعفوية:
-
"ما أبي" (3)
أخاف منك.
-لا
استطيع فهذه الخاصية لا يملك أن يعطيها لك إلا ربي.
-
"عيل(4)"
اجعلي الشجرة من ذهب.
وبدأت أرى الشجرة يتحول جذعها .. أغصانها .. أوراقها إلى ذهب ، وأثناء التحول
التدريجي ، خرج من الشجرة سائل لزج .. رائحته نتنة ، وسمعت أنينها ، فرق قلبي ..
صرخت :
-
كفى ، أرجعيها إلى حالها.
وتتبعت حركات يديها .. وإيماءات من رأسها .. ورأيت الشجرة ترجع كما كانت.
قالت:
-
بقي لك طلب أخير.
ونظرت حزناً إلى فؤادي:
-
أتعلمـين ، "فيني(5)"
استوطن جسم غريب ، فسبب لي الهوان ، أتصدقين ، أحياناً .. أكون غير قادر على الحركة
إلا بصعوبة بالغة ، ولا الكلام إلا بمشقة ، حاولت الشفاء لكني فشلت .. صارعته أكثر
من مرة لكنه غلبني .. آه .. آآه لو تعرفين ، انظري ، لقد قطع بعض شراييني .. يأكل
من لحـمي .. يقطع بعض أوصالي ...
-
وهذا أيضاً لا أستطيع تخليصك منه.
-
لكنــ... ـك ....
-لا
أقـدر لا أقـدر ولا غيري يقدر ، لكن .. لا تبتئس .. لا تيأس .. تستطيع هزيمته
-
ومتى ؟
-لا
يعـلم الغيب إلا ربي .. لا تحزن ولا تعجب ، صدقني ، لا أعرف .. لو كنا نعلم الغيب ،
ما ظل أجدادي في العذاب المهين في بنـاء الهيكل ، يوم كانوا تحت إمرة النبي سليمان
، ظـناً منهم أنه على قيد الحياة ، وما علمنا أنه ميت ، إلا بعد أن جاءت دابة الأرض
، وظلت تأكل عصاه حتى سقطت من يده ، فاختل توازنه ، وسقط من على الكرسي ، وحينها
فقط كفوا عن العمل المضني ، ولحظتها فقط أيقنوا ، أنه كان لأيام جسداً بلا روح
-
إذاً ، لا فائدة ؟
-إن
شئت حقاً هزيمته .. إخراجه من جسدك .. عليك أن تعتمد على نفسك .. خذ بكتابك ،
وستظفر حينها بالنصر ، ولو قاتلك من وراء جُـدر.
وصمتت تلم شعرها ، أخذت مشطها من على الأرض ، جعلته في كفها واختفت والشجرة من
أمامي.
الدوحة – يناير 2006م
=======
الهوامش:
- (1) شجرة
السَمر: تنتشر في البيئات شبه الصحراوية ويتراوح ارتفاعها بين 2-4 أمتار