تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
العـائــــد
- 1 -
ذات مساء شديد البرودة .. حبلت سماؤه بالثلج .. احتمى الناس الراجلين بمعاطف الصوف
.. والمشردين في الشوراع بإيقاد النار .. كان في غرفته .. يمضي وقته يرتب ملابسه ..
يضعها في حقيبته .. وما أوقد ناراً .. لم يتدثر بلباس صوف .. بالرغم من بردوة
المكان .. كان يشعر بحرارة أخرى ، غير حسية تعصف بفؤاده ..
أفاق من انشغاله ، على أنامل تحبو على كتف:
-
أنت ؟ .. مذ متى أنت هنا.
أجابت مبتسمة تتأمل عينيه:
-
وأصبحت لا تشعر بوجودي أو حتى بدخولي.
اقتربت منه ، طوقت بيديها عنقه:
-ما
بك ؟ ، هه .. ما عدت أنت " نظرت إلى ثيابه" ، أما زلت على إصرارك "حرك رأسه
بالإيجاب ، أردفت" لكني أحتاج إليك ، انت تعلم هذا جيدا "ومازحة تداعب أرنبة
أنفه" ولن تجد مثلي ، أنا الوحيدة القادرة على تلبية ما تحتاج إليه .. هناك لن تجد
مثلي
-
لقد قررت ....
-
لكني أريدك ، دونك لا أكون
حـرر رقبته من يديها .. شاغل نفسه بوضـع ملابسه داخل حقيبته .. جلست على كرسي خشبي
قريب منه .. اكتفت بالنظر إليه للحظات .. لم ينظر إليها .. أغاصت أنامل يديها في
عتمة شعرها ، نهضت ، واصل يشاغل اهتمامه بعمله .. تنحنحت .. لم يلتفت إليها .. أخذت
حقيبتها من على الطاولة ، فتحت باب الشقة ..
قالت:
-
أنا خارجة ولن أغلق الباب .. سأنتظر مهاتفك الليلة
- 2 -
حين بدت أمامه ملامحها من نافذة الطائرة .. ترقرقت دموعة .. انسابت على خديه ..
تعلق نظره بها .. تنامى فيه شعور مزيج من الرهبة والفرح ، وإحساس انتابه .. يؤنبه
على ابتعاده .. ومع ذلك حاول الاهتمام بما يرى .. الشوارع التي بدت خيوطاً سوداء ..
البيوت مربعات ومستطيلات .. السيارات التي بدأ يراهـا بأشكالها وألوانها وأحجامها
المختلفة .. الأشجار على طول الشوارع والطرق .. الناس فالحجارة فاهتزاز الطائرة حين
لامست عجلاتها الخلفية مدرج المطار .
قبل أن تتوقف الطائرة كان أول الواقفين .. وقبل أن يصل سلم المسافرين كان
أول الموجودين عند باب الخروج .. ربتت يد على كتفه الايسر .. رأى المضيفة تستئذنه
بالتراجع إلى الوراء .. لم يفعل .. أشارت إليه بيدها لأن يفسح لها المجال .. تحرك
جانبا لكنه لم يتراجع إلى الوراء .. تقدمت أمامه بصعوبة تفتـح الباب .. تنهد ..
ربتت ثانية على كتفه .. نظر إليها .. أشارت إليه بالخروج من الطائرة .. تردد ناظرا
اليها .. أضحى مثل طفل يدفع أول مرة في خوض تجربة جديدة .. بعضنا تفرحه الأشياء
الجديدة في حياته ، لكننا لحظة الإقبال عليها نتردد ولا نجد تفسيرا لردة أفعالنا ،
كررت طلبها مبتسمة بمد ذراعها إلى الخارج امامه .. هز لها رأسه بالإيجاب .. حاول
المشي .. فشل ثانية .. كتمت غيظها ترجوه التحرك .. اعتذر إليها بإيماءة من رأسه ..
نظر إلى الخارج .. نظر إليها .. زفرت نفـسا عميقا .. كرر مبتسما اعتذاره بإيماءه من
يده .. وضعت يديها على خاصرتها .. أمالت رأسـها ناحية اليمين .. نظر ثانية إلى
الخارج .. تقدم بعد تردد ببطء شديد ، نزل الدرج رويدا رويدا ينظر يمنة ويسرة ..
وكلما اقترب من نهاية الدرج ، تباطأ نزوله أكثر .. اشتد انقباض قلبه ، وعندما لمست
قدمه الأرض .. جرى وسط دهشة العاملين كطفل خائف إلى الحافلة .
داخل الحافلة .. ظل يحملق في فضاء المكان ، وأمام بوابة دخول المسافرين ،
كان آخر الخارجين .. وقف عند باب الدخول .. يتلفت حوله .. يرى المسافرين القادمين
الموجودين في داخل القاعة .. وأناساً غيرهم كثيرين .. رجال أمن وعاملين وآخرين
ممسكين بكاميرات ، يقبلون مهرولين إليه .. يلتقطون له صوراً فوتوغرافية .. استشعر
بفرح يلاطفه .. يستطعمه .. يسكنه .. هدأ روعه ، صدّق إحساسه ما أخـطأ يوم قـرر
العودة .. أقر بخطأ سفره .. طول فترة غيابه ، ولاحظ .. كلـما مشي تبعه المصورون ،
وكلما ابتسم زاد التقاط الصور له ، فجأه .. قفز سؤال في ذهنه .. تقدم من أحدهم
يسأله:
-
لكن ، كيف عرفتم بعودتي ؟ .. انا لم أخبر أحداً.
-
عودتـ .. ـك ؟ .. عن أي عودة تقصد ، عفوا ، أسمع ، أنا لا أعرف عم تتحدث ، عموما ..
لأوضح لك ، نحن الآن في سباق لالتقاط أفضل صورة فوتوغرافية لآخـر المسافرين
القادمين .. والآن ، أيمكن أن تبتسم للصورة سيدي ؟
تسمر ينظر إليه .. انحبست لحيظة أنفاسه .. أصابته حالة إحباط شديدة ..
والرغبة في الضحك ، والاصرار بالعودة الى شقرائه.