7-3-2008
|
أنين دموع نضرة شارع تمشي على رصيفه ، فيخيل لك كأنما لا نهاية له .. تراصت فيه المحال التجارية على جانبيه .. بقياسات متباينة .. بأشكال مختلفة .. ازدانت بالمصابيح الكهربائية .. وكثير منها ، وضع فيه سماعات مكبرة .. يذاع من بعضها أغان ، وبعضهما الآخر موسيقى .. ويميز الشارع شيء آخر .. كثرة البشر .. أغلبهم جالس أمام المحال التجارية .. قليل منهم واقف .. كثير منهم آخرون يهرولـون مشيا .. وكل منهم مشغول بأمره أو مع صاحبه .. إلا طفل وجل .. في ربيعه الثالث .. وقف بمحاذاة رصيف الشارع .. زائغ العينين .. ينظـر يمـنة ويسـرة وخلـفه .. ينتحب .. يردد بصوت متهدج .. " ماما .. ماما ...." .
اقترب منه رجل ، في عقده السادس .. نحيف .. أسمر .. تلامس أطراف لحيته البيضاء صدره .. يمسك بيـده اليمنى مسبحة .. ذكره حال الطفل ، بموقف مماثل له في صغره .. يوم أمسك بأنامله الغضة أصابع والده الخشنة .. لا يدعها إلا إذا أقبل صاحب لأبيه .. ليصافحه بيده ، ويقبل جبينه .. ثم يمسك من جديد بأصابـع والده .. وظل يلازمه .. يمشي معه من مكان لآخر .. إلى أن سلمه إلى والدته .. فقبل يده ورأسه وهو يمسح دموعه .. يردد حاضر ووالده يذكره باطاعة والدته .. ثم حديثه مع أمه ووصيته .. " الولد أمانة في رقبتج(1)" .. ثم ابتعاده عنهما مودعاً .. فاتجـاهه إلى البحر .. جلوسه في الهوري .. تجديفه مع آخر إلى السنبوك .. الموجود داخل البحر .. إيذانا ببدء موسم الغوص العود ، وبكاءه وترديده .. بصوت متقطع .. " يبـ .. ـه .. يبـ .. ـه" . وضع أنامله الخشنة على رأس الطفل .. ابتسم يسأله: - عمن تبحث يا ولدي. قالها يبكي متقطعة: - مـ اما ا ا - حسناً .. وأين هي أمك ؟ - مـ اما - لا "تبجي"(2) لا تخف ، قل لي .. أين هي الآن ؟ .. - مـ اما - طيب طيب ، وما اسم أمك ؟ - مـ ماما - لا عليك ، أنا إن شاء الله آتيك بها. - مـ مـ - حسنا .. أتعرف أين هي الآن ، لآخذك لها ؟ - مـ مامـ ا لفت انتباهه .. اقتراب سيدة .. تراجع إلى الوراء .. دنت منه .. أمسكت كتفه .. سحبته ناحيتها بقوة .. صفعته على وجهه ، على كتفه الأيمن .. أمسكت ذراعه .. هزته مراراً للأمام للخلف .. لكن الطفل لم يكـف عن ترديد كلمته .. صرخـت في وجهه: - "بسك"(3) .. فضحتني .. - مـ مـ اما ا - ولماذا خرجت ما دمت خائفا من عقابي لك ؟ - مـ ا مـــ - اسكت .. أف منك ، أزعجتني .. ضايقتني .. مللتني ، وأنتي "شنهـو" (4) "تنطرين" (5) .. "ما تشيلينه" (6) .... أومأت لها المرأة بالامتثال .. ابتعدت السيدة بخطوات متسارعة.. قطعت عرض الشارع .. حملته بمشقه المرأة .. توقفت أمام الرصيف .. تنظر تنتظر توقف سيارة لهما ، ولم يكف عن الصياح ، ومن النظر إلى أمه ، لكنها لم تلتفت إليه ، ولم تكف المرأة عن ضربه ، على مؤخرة رأسه وظهره .. حينئذ ونتيجة تحريكه يديه ورجليه ، تكمن من التحرر منها ، والركض وراء أمه .. لكنه إلى رصيف الشارع الآخر لم يصل . ====== الهوامش: - (1) رقبتج : رقبتك - (2) تبجـي: تبـكِ - (3) بسـك : كفى - (4) شنهـو: ماذا - (5) تنطرين: تنتظرين - (6) متشيلينه: لماذا لا تحملينه |
![]()
للتــواصـل
|
|