بعدمـا انشطرت حياتهما إلى نصفين ، ومضيا لسنوات في طريقين مختلفين ،
خفق قلبه ذات مساء شتائي ، حبلت سماؤه بالغيم ، وهواؤه بالبرد القارس ، اشتاق
إلى الذي افتقده ، وربما تذكره الآن ، جعله يفضل البقاء في بيته ، يتدفأ بغطاء
صـوف ، ويتابع مشاهدة مسلسل تلفزيوني ، يعرض قصة اثنين ، نجح حبهما بالتغلب على
عتمة لياليهما ، وبين حين وآخر ، ينشغل بأمره تارة ، وتارة أخرى يتمنى زيارة
صديق يؤنس وحدته ، أو اتصال من أبنائه يشرح فؤاده.
سرَّه سماعه رنين هاتفه ، خفض من صوت جهاز التلفزيون ، بواسطة جهـاز
التحكم عن بعد ، رفع سماعة الهاتف ، تعجب غير مصدق لسماعه صوت محدثته قبل أن
يستعذبه ، ويرق قلبه ، رغم تسترها أول الأمر خلف كلمـات حـادة جـافة مقتضبة:
" ابنتك جاءها عريس ، ما رأيك ؟ " ، ثم أصبح شيئا فشيئا حديثهما غيمة حـبلى
بالمطر .. تغسل حباته غبار سنواتهـما العجاف.