تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
الألم الذي لا يحتمل
رأيت صديقي مثل الوردة الذابلة رغم ابتسامته الظاهرة وهو يشمر عن ساعده
الأيمن ليتوضأ لأداء صلاة العشاء وما ان تحدث مبتسما حتي ألقي الحزن بوشاحه علي
ابتسامته ولم يتمالك الرجل نفسه قائلا: يا أخي الحياة بدون الأولاد تصبح بلا طعم،
وصمت قبل أن يتم كلامه من جديد: تصبح الحياة نسخة تتكرر يوميا فتأتي الي العمل
لتؤدي عملك ثم تذهب الي المنزل لتعد طعامك ثم تطالع كتابا او تشاهد برنامجا
تلفزيونيا فتنام لتعيد نفس الطقوس ذاتها في اليوم التالي. وصمت ثانية قبل ان يكمل
للثالثة: يا أخي الأولاد عندما كانوا معي كان للحياة مذاق آخر. حتي الزوجة
بابتسامتها وامتعاضها.. بانشراح صدرها ومشاكستها.. والاولاد هذا يريد شيئاً وآخر
يشكو من شيء.. يعني. تجد دوما أمامك شيئاً يفرحك او شيئاً ينغص عليك عيشتك المهم ان
يومك ليس مثل امسك.
وصمت هذه المرة ولم يقل شيئا إنما اكتفي بالوضوء لأداء صلاة
العشاء.
كثيرون هم الزملاء والأصدقاء الأشقاء من دول عربية حدثوني في مثل هذه
المسائل وعن لحظات الفرح عندما يأتي اليهم في الاجازة الأبناء وعن لحظات ألم الوداع
عندما يغادر الأبناء في الاجازة الي الوطن إلا ان أصعب وجع الألم لحظته عندما تقرر
الزوجة العودة النهائية الي وطنها او عندما يصل الابن او الابنة الي مرحلة الدراسة
الجامعية فيصبح القرار الحتمي هي العودة النهائية بينما يظل الأب وأحيانا بعض أفراد
أسرته هنا في الدوحة فتنقسم الأسرة الي نصفين ويكون حينئذ الوجع أكثر
إيلاما.
حديث صديقي عن الوجع الذي يصيب الرجل المغترب حين تقرر الزوجة العودة إلي
وطنها ومعها أبناؤهم والألم الذي يسكن كل رجل مغترب عن وطنه لأجل أسرته ذكرني
بموضوع قرأته ولا بأس من الإشارة إليه مع الاعتذار لنسياني كاتبه.
الوجع الآخر الذي يصيب قلة من المغتربين عن شخص أمضي أكثر من نصف عمرهفي
بلد غير وطنه من أجل أسرته وكان يحرم نفسه من أشياء كثيرة لأجل أن يستطيع جمع
أكبر قدر من المال ليرسله إلي أسرته آخر الشهر.
كان يسعده وينسيه شعوره بالحرمان من أشياء عديدة ويخفف عليه من ألم
الاغتراب خبر يزاحم كلمات الشوق والسؤال عن الأحوال في اتصال هاتفي أو رسالة تصل
بالبريد.
ومضت الأيام وكبر الأبناء وزادت مع الأيام طلباتهم فيزيد من ساعات العمل
ولا يمانع من عمل آخر يزيد الرقم المالي المدون علي ورقة الحوالة المصرفية حتي أتم
الأبناء تعليمهم النظامي فالجامعي فجاء بعد التعليم الصرف عليهم حتي يجدوا الوظيفةثم
الحاجة إلي المزيد من المال ليتموا نصف دينهم وحاجات مساكنهم ثم الحاجة إلي
المزيد والمزيد من المال لهم ولأبنائهم الذين هم أحفاده ولا يراهم إلا في
إجازته.
ويوم تم تكريمه لبلوغه سن التقاعد بعد خطاب تلقاه يشكره علي حسن عمله
والتمنيات له بالتوفيق في حياته كان فرحه أكثر من ألمه نتيجة الاستغناء عن خدماته
فقد قدم ما عليه وحان الوقت ليستريح فيما بقي له من عمر.
وقرر الاكتفاء بعدد السنوات التي عمل فيها بعيداً عن وطنه الأم وأسرته
وبدأ مثل طالب ينتظر نتيجة امتحانه أو زوج يناظر الساعة وهو ينتظر بشري أول مولودله
كانت ذات الحالة تسيطر عليه ويشاغلها بشراء المزيد من الحاجات ويلهي وقته بالنظرفي
المرآة يمعن في الشعر الأبيض الكثيف الذي طغي علي ما بقي من الشعيرات السود
وتجاعيد وجهه.
وفي يوم العودة إلي وطنه أصبح مثل الطفل فرحاً غير مصدق العودة
والالتقاء مع أسرته من جديد اتجه إلي المطار قبل الموعد ببضع ساعات مثلما باع كل ما
يملك بوقت كاف قبل موعد السفر وأول مرة لم يهتم بالنظر إلي كم المال الذي جمعه لأن
الأهم شخصه وهل هناك أغلي قيمة من عودة إنسان إلي أهله؟!
كانت أجمل لحظاته علي الاطلاق حين خرج من الطائرة فأمعن النظر ثانية إلي
المطار والذين يمشون علي مدرج المطار والسيارات فرأي المنظر أمامه جميلا مثل أول
مرة عندما نظر إلي وطنه من نافذة الطائرة.
وكانت ثاني أسعد لحظاته حين عانق أبناءه واحفاده وهو ينظر يمنة ويسرة
يبحث عن رفيقة دربه ثم علم من أحد أبنائه أنها تنتظره في المنزل فعجلهم الحراك إلي
المنزل ليري والدتهم واخواتهم.
مضت الأيام الأولي والكل ملتف حوله وكان سعيدا بهذا الالتفاف وضاعف
سعادته التحضير لزواج احدي بناته وسعادته تنفيذ جميع ابنائه رغباته بلا
تردد.
ذات مساء وعلي غير العادة تشجع احد أبنائه يسأله كم سيبقي بينهم فأجاب
السؤال بالضحك يطمئنه ان الحرمان منهم لن يتكرر ولكن لم يشاركه أي من الحاضرين
فرحه.
تعلق كوب الشاي في الفضاء بين الطبق وشفتيه ينظر إلي الوجوه التي تغيرت
وعفت الطعام واكتفت بالنظر بينها فسألهم ما بالهم وتشجع آخر بعد تردد يسأله عن
الاسباب فوضع كوب الشاي يشرح لهم بالتفصيل الممل انه وصل سن التقاعد إلي جانب وجودمن
يقوم بنفس عمله من أبناء الوطن ثم جنح للحديث عن شعوره بطول سنين الحرمان
فالاسهاب عن حفل التكريم حتي قاطعه من جديد أحد أبنائه يسأله وماذا يفعل وما يفعل
بقية اخوته.
لم يفهم السؤال أو بالاحري المغزي من السؤال حتي قال احدهم بلا تردد انه
واخوته غير قادرين علي تلبية حاجاتهم دون عون منه فبالمال الذي كان يبعثه لهم آخر
الشهر كان يساعدهم في حياتهم وليس بالامكان الان العودة الي الخلف خاصة بعد ان تزوج
بعضهم وانجب وفتح آخر بيتا
رفع يده لئلا يكمل فقد وصلت الرسالة وتيقن مما اعتقده في بادئ الامر سوء
فهم ولم يملك الا ان نهض علي غير هدي متوجها إلي غرفته