تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
03/01/2010
جمال فايز في
مجموعته القصصية " عندما يبتسم الحزن "
تصوير لصراع
المتناقضات في المجتمع بروح الناقد الساخر شكلاً ومضمونا
بقلم : أيمن خالد دراوشة
عن مؤسسة الرحاب
الحديثة في لبنان صدر حديثاً للكاتب القاص جمال فايز المجموعة القصصية «عندما
يبتسم الحزن» تضم المجموعة القصصية الجديدة اثنتي عشرة قصة هي على التوالي:
«ليلة الكرنكعوه ، عندما يبتسم الحزن، حصاد السنوات العجاف، أنين دموع نضرة ،
السير على حافة الجرح، العائد أكثر من الظل ، إنفلونزا الطيور ، تمثالنا البشري
، أطول من قامة السمر ، الأقحوانة البيضاء ، انبلاج الليل» إضافة إلى تلخيص
لرسالة الماجستير للباحثة الأوكرانية لودميلا سافارا جالي في مجمل أعمال
الكاتب. تعد هذه المجموعة الجديدة الرابعة للكاتب بعد مجموعته الأولى «سارة و
الجراد» التي صدرت في الدوحة عام 1991م ، تلتها المجموعة القصصية «الرقص على
حافة الجرح» التي صدرت في ثلاث طبعات الأولى في الدوحة عام 1997 والثانية في
القاهرة عام 2001م والثالثة في بيروت عام 2004م ، وقد صدرت مجموعته القصصية
الثالثة «الرحيل والميلاد» في الدوحة عام 2003م وتمت طباعتها ثانية في بيروت
عام 2007م.
استطاع العديد من الكتاب
في الوطن العربي على مستوى القصة القصيرة خلق عوالم خاصة بهم اقتربوا فيها من
التحليل المتقن لمجتمعاتهم ، وقد كانت هذه الدراسة النقدية لمجموعة القاص جمال
فايز نموذجاً معبِّراً عن الجدلية التي استطاع إبداعها عبر المزج بين شكل سردي
يبدو للوهلة الأولى من خلال تقنيات ابتدعها القاص وقضايا وأمكنة وشخصيات
متكاملة تقترب في مساراتها من عالم الرواية. وهذه الحالة تشبه مقولة باشلار في
كتابه “جماليات المكان” جدل المتناهي في الكبر مع المتناهي في الصغر.
ولعل هذه المقولة تمثل
مفتاحاً أساسياً للدخول إلى فضاء القاص جمال فايز والتعاطي عبر قراءة متحررة من
تلك الفروق بين القصة والرواية.
في أمكنة جمال فايز
نتجول في الشوارع والسواحل والكثبان الرملية والأسواق والطبيعة الخلابة ...
ونتتبع بصدق وحساسية التغيرات الثقافية المصاحبة لتحولات المجتمع.
وقد راوح القاص بين
التقليدية تارة والحداثة تارة أخرى ، وغاص بنا بشخوص رصد تقلباتها وأحوالها
ورسم آمالها وأحلامها متناولاً بمهارة تقلبات المجتمع محللاً تكوينها ساخراً
منها تارة ومتعاطفاً معها تارة أخرى مناقشاً قضايا معقدة وأحياناً بسيطة يعيشها
الإنسان العادي كل يوم.
كما جعل من التفاصيل
الصغيرة عالماً متكاملاً باحَ لنا بأسراره وكشف لنا عن جمالياته...
فمن جاذبية العنوان "
عندما يبتسم الحزن " حيث رسم لنا ببراعة الفنان الجمع بين النقيضين ، والنقيضين
لا يجتمعان أبداً إلى الجمل المفتاحية والجمل الختامية وربما عنصر المفاجأة
والتوقع مما أثار دهشة القارئ وتعاطفه...
وقد دلَّ عنوان المجموعة
القصصية إضافة إلى عناوين القصص الأخرى على جاذبية وسحر أدهشت خيال القارئ
وجعلته يقف متربصاً لكل حدث وهي سمة تميز بها جمال فايز وعلامة فارقة في كل
مجموعاته القصصية الأربعة فأصبحت هذه العناوين البريق الجاذب لعين القارئ .
في مجموعته الأخيرة "
عندما يبتسم الحزن " - موضوع الدراسة - نجد قصصاً بعناوين تشد البصر إليها "
ليلة الكرنكعوه " و " حصاد السنوات العجاف " و " أنين دموع نظرة " و " السير
على حافة المنحدر " و " العائد " و " أكثر من الظل " و " إنفلونزا الطيور " و
" " تمثالنا البشري " و " أطول من قامة السمر " و " الأقحوانة البيضـاء " و
"انبلاج الليل " ...
ابتدأ جمال فايز قصصه
بكلمات افتتاحية متنوعة للدخول في أجواء السرد وهذه التقنية يستخدمها القاص
ببراعة للفت الانتباه واستثارة القارئ للغوص في عالم القصة ومن جمله الافتتاحية
" جالسة على سريرها الأبيض .. تتأمل الكوب المملوء ماء " وقوله " بعدما انشطرت
حياتهما إلى نصفين.. " وكذلك قوله : " ذات مساء شديد البرودة.. حبلت سماؤه
بالثلج.." وأيضاً " الجو بارد.. الغيم حجب القمر والنجوم.."
ومن خلال المراجعة
النقدية لهذه المجموعة تتضح لنا الأبعاد النهائية لفن القصة القصيرة فقد تداخلت
عدة وسائط فنية في الشكل الأقصوصي لم تكن تتبدى لنا سابقاً ومن ذلك قصة "
إنفلونزا الطيور " و " تمثالنا البشري " و " السير على حافة المنحدر " و "
انبلاج الليل " هذه القصص المركزة الممتلئة التي تحوِّل الأحداث بعالميها
المكاني والزمني إلى عالم مكثف مليء بالإيماء حافل بالمغزى..
أما الشخصيات فتتحلَّق
من تلقاء ذاتها دون تقرير أو مباشرة إلا في المواقف النزرة النادرة مما فتح
المجال لاستنطاقها وجعلها تتصرف وكأنها مستقلة عن شخصية الكاتب فنتعرف على
أعماق الشخصية وهواجسها دون تدخل منه :
·" سرّه سماعه رنين هاتفه ، خفض من صوت جهاز التلفزيون.. " من قصة حصاد
السنوات العجاف.
· " أومأت لها المرأة بالامتثال.. ابتعدت السيدة بخطوات متسارعة" من قصة
أنين دموع نضرة.
·" قالت إحداهن : - انتم البشر لا تستحقون الحياة ".
من قصة إنفلونزا الطيور.
·" قاطعهم حانقاً – وهذا دليل بأني على الحق ".
من قصة انبلاج الليل.
كما يدير الكاتب حوادثه
وحركات شخصياته في مسارح متجانسة تتكرر في جميع قصصه حتى تظهر وكأنها خيط فني
جميل ينتظم المجموعة بأكملها.
أما اللغة
عند جمال فايز فهي متدفقة وانسيابية ولا تميل إلى التعقيد أو
التقعر أو استخدام الكلمات الأجنبية ، ولم تتورط بالإسهاب
والإطالة ترصد الأحداث بواقعية مما ينم على ثقافة واسعة واطِّلاع
كبير ، وقد استخدم الألفاظ العامية بكثرة أثناء الحـوار وهذه تحسب
له لا ضده لأنها تُعرِّف
صورة ضوئية من جريدة
العرب الأسبوعية اللندنية
الشعب
العربي باللهجة العامية القطرية وقد قام الكاتب مشكوراً بتوضيح المفردات
العامية في الحواشي ، ونحن نقدِّر له هذه الخطوة لأنها تعد بالمقياس الكلاسيكي
جنوحاً وخروجاً عن المألوف.
وتميَّز
السرد عند جمال فايز بالتكثيف والواقعية الاجتماعية ، دون الجنوح
إلى التعقيد اللفظي أو الرمز الغامض واستغلال تيار الشعور.
كما ظهرت في قصصه رؤية
واضحة لتركيبة المجتمع وطبيعة بنائه ويتضح هذا من خلال قصة " ليلة الكرنكعوه "
و " حصاد السنوات العجاف " و " أنين دموع نضرة " و " السير على حافـــة
المنحدر و " أكثر من الظل ".
وقد تعرفنا على عادات
الشعب القطري من خلال قصة ليلة الكرنكعوه حيث أبدع القاص بوصف مشهد الأطفال
مسرورين بتلقيهم الحلوى والمكسرات ووضعها في أكياسهم المصنوعة من القماش.
" تسابقوا إلى والدتي
عندما رأوها ، تزاحموا حولها ، كل يفتح كيسه لها ، ورأيت الفرحة بادية عليها ،
لحظت انشغالها بإدخال يدها في كيس " بلاستيك " شفاف كبير ، تخرج منه مكسرات ،
تضعه في أكياسهم ... "
هذا المشهد البديع يشعرنا
بوجود عدسة فوتوغرافية حساسة للمكان والزمان والشخصيات مما جعل القاص يتأرجح
بين القصة القصيرة والرواية القصيرة ، كما تشعرنا بهمٍّ يسيطر على الكاتب
فيوطِّنه في قصته بحثاً عن خلاص...
وربما تعرفنا أيضاً على
بيئة قطر الصحراوية من خلال توظيف القاص لنبتتين هما السَّمر والغاف وقد وظفهما
الكاتب في قصتين هما " إنفلونزا الطيور و " أطول من قامة السمر " مما يجعلنا
أمام وثائق بيئية وتراثية على حد سواء ، يفيد الطلاب والدارسين مما دفع العديد
من معلمي المدارس المستقلة لاختيار قصص جمال فايز في مناهجهم الدراسية ، وأرى
في مجموعته هذه ما يناسب طلبتنا في المرحلة الإعدادية والثانوية لنضوجها فنياً
والتزامها بعناصر القصة القصيرة.
ثمة قصص في المجموعة
يمكن التوقف عندها ملياً. مثل : قصة
" السير على حافة المنحدر "
فالكاتب هنا يعرض لنا قضية طالما عانى منها المجتمع وازهقت الكثير من الأرواح
البريئة بفعل أناس مستهترين وهي قضية قيادة السيارات بحركات خطرة كالسير على
عجلين ، والقيادة بسرعة هائلة إلى الخلف ، وغيرها والتي فُسَّرت على أساس أنها
نوع من الرياضة والبطولة وهي ليست كذلك كونها نوع من القتل المتعمد.
وقد تعرض جمال فايز لهذه
القضية بطريقة ساخرة ، أما القصتين اللافتتين للنظر فهما : قصة " تمثالنا
البشري " و " انبلاج الليل " حيث أرى تقنية جديدة لم ألمحها في مجموعة جمال
فايز السابقة ، هذه التقنية التي خرج بها جمال فايز من واقعه الاجتماعي الصغير
إلى واقعه الاجتماعي الكبير ليعالج لنا قضايا سياسية كالإرهاب والنفاق على
الشعوب وتم ذلك بطريقة ساخرة أيضاً ، وبمعالجة ملتزمة جريئة ونفس قصصي بديع.
ومن القصص التي لعب بها
التشويق وعنصر المفاجأة دوراً كبيرا قصة إنفلونزا الطيور حيث ينشئ القاص ببراعة
صراعاً مريراً بين الإنسان والبيئة من جهة وبين الإنسان والحيوان من جهة أخرى
وعلى الرغم من نجاة هذا الإنسان إلا أنَّ الصراع ما زال مستمراً وفي إحدى مشاهد
القصة يرسم لنا جمال فايز لوحة فنية رائعة تشبه في روعتها على اختلاف النوع
الأدبي والزمن لوحات الشاعر الأموي ابن الصحراء " ذي الرمة " حينما أنشأ
الأخير صراعاً بين الحمار الوحشي والصياد " الإنسان " وبين الثور الوحشي وكلاب
الصيد وبين النعام وقسوة المناخ حيث أثارت هذه اللوحات اهتمام النقاد وشغلت
تفكيرهم ، أمَّا لوحة جمال فايز فقد نجح في تصوير الخوف والرعب الذي دبَّ
بالإنسان حينما أفاق الدجاج من موته ومحاولته الانتقام من الإنسان بسبب عمليات
الإعدام الذي قام بها نحوه على اعتبار أن الدجاج من المسببات الرئيسية
لإنفلونزا الطيور المرض القاتل للإنسان ، وكذلك فعلت الأشجار التي طالما
تحمَّلت جبروت الإنسان واستهتاره بالعبث بها وقطعها دون وجه حق وعلى اعتباره
بأنه أحد ملوثات البيئة بتصرفاته الهمجية تجاه الأشجار والبيئة المحيطة بها ،
ويصر الإنسان على الرغم من نجاته على استمرار القتل والتخريب بالعودة نهاراً
وحرق الأشجار والحيوان معاً !!!
ولا بد لنا في نهاية
المطاف أن نشير إلى الميزة التكنيكية للمجموعة وهي تعمُّد القاص المبدع جمال
فايز إلى استغلال أسلوب السيناريو والحوار ، فعندما نقرأ قصصه نشعر انها كُتبت
لتمثل على شاشة التلفزيون أو حتى شاشة السينما وعلى سبيل المثال لا الحصر قصة
ليلة الكرنكعوه وقصة عندما يبتسم الحزن عنوان المجموعة وكذلك السير على حافة
المنحدر والعائد التي تصلح أن تكون في مسلسل مرايا وكذلك أكثر من الظل وانبلاج
الليل...
أما قصة أطول من قامة
السمر فهي بحاجة إلى ترجمة إلى اللغة الإنجليزية فهي تصلح لأن تكون فلم أجنبي
قصير بتقنية عالية المستوى.
مجموعة جمال فايز
القصصية عبارة عن لقطات وصور تبدو لنا متقاربة ، وأحيانا متباعدة ثم تتداخل
وتتمازج أحياناً أخرى مما أكسب المجموعة طابع التوتر والحركة ، وقد سارت القصص
ضمن تيارات متعددة فتارة واقعية اجتماعية مثل : السير على حافة المنحدر وانين
دموع نضرة ، وتارة واقعية رومانسية مثل : العائد و أكثر من الظل وحصاد السنوات
العجاف ، وتارة واقعية سيكولوجية مثل : عندما يبتسم الحزن ، وتارة واقعية
رمزية واضحة مثل : تمثالنا البشري وانبلاج الليل..........
--------------
* أيمن خالد
دراوشة ، كاتب قصة من الأردن
* نشرت
المقالة في صحيفة العرب الأسبوعي ، صفحة ثقافة ، السبت 1/11/2008م ، ص: 24