بين ميلاد يبشر بالبدايات ومجهول ينذر بالنهايات
جمال فايز كاتب يتمرد علي الرتابة ويتشوق لكل جديد
بقلم الناقد: شعبان يوسف
أشيعت مقولة لسومرست موم الروائي الانجليزي فحواها ان الكاتب لا يكتب الا
قصة واحدة، والباقي تكرار لهذه القصة بطرق مختلفة، وبشكل آخر نستطيع ان نقول:
ان الكاتب عندما يسيطر عليه هاجس، وتتلبسه حالة، تظل مهيمنة علي ابداعه
وكتاباته، حتي لو بدت بعيدة بشكل مباشر، فهي تظل كامنة، وتظهر بتفاوتات وبنسب
متعددة بين الحين والآخر وربما باللغة نفسها، وبالالفاظ نفسها، حتي لو حاول
الكاتب ان يعالج هذا الهاجس بطرق متباينة، وهذه الخصيصة تظهر عند الكتاب
الاصلاء عادة، والذين لا يتنقلون بين حقول الكتابة المختلفة، وكأنك تشعر بأن
كاتب هذا النص يختلف تماما عن حلوله في نص آخر.
|
في المجموعة القصصية الرحيل والميلاد للكاتب العربي جمال فايز،
الصادرة مؤخرا ستلاحظ ان هاجسا واحدا مشتركا بين قصص المجموعة
كلها، وان كان هذا الهاجس-الهم، تتعدد تجلياته ومعالجاته بأشكال
مختلفة، ورغم ان العنوان الرحيل والميلاد والذي هو عنوان احدي قصص
المجموعة، هو الوحيد الذي يدل علي تأكيد هذا الهاجس، فضلا عن انه
العنوان الوحيد -ايضا- بين عناوين القصص الأخري، الذي يأخذ
الثنائية العكسية من حيث اختلاف المآلين، الرحيل الذي ينذر
بالنهايات الابدية، والمجهول، |
 |
اما الميلاد فيشي ويؤذن بالبدايات والتفتح والازدهار، هذه الثنائية مثل ثنائية
الهدم والبناء، البداية والنهاية، وان كان الرحيل يعني اكثر من معني، فان كان
الكاتب يقصد بالرحيل انه النهاية الابدية او الموت، فكان من الطبيعي ان ينص
عليه بذلك، ولكن الكاتب ترك العنوان بهذه الصيغة المراوغة، وان كانت القصة
ذاتها، تعني في تفاصيلها هذا الرحيل الموت/النهاية.
علي اية فهذه الثنائية التي تبدت وظهرت بشكل واضح وناصع في العنوان وفي القصة
ذاتها، تظل تتراوح بتضاريس تعبيرية كثيرة، وبألوان تتدرج حسب الاستخدام النوعي
الذي يقتضيه الموقف وتتطلبه الحالة.
ومنذ القصة الاولي وما تبقي من شظايا المحار هناك نزاع وصراع بين الطبيعي
والصناعي، بين بكارة الموال وطزاجته وحشرجته وانسانيته، وبين الاصوات القبيحة
والمزعجة لأصوات آلات ورافعات، وفي اسي يقول الكاتب: التفت ناحية الغرب، حيث
تُسير الشاحنات بعضها وراء بعض، تصغر، تختفي في قرص الشمس الاحمر القاني،
وطائرة مدنية، تمر فوق رأسي، تنفث دخانا اسود، يتلوي مثل ثعبان.
ولا يفوتني هنا ان اشير الي ان مفردة الغرب تأخذ معني مزدوجا، فهي من ناحية
تشير الي الغرب كاتجاه ومن ناحية اخري تشير الي الغرب الاوروبي حيث الصناعات
الكبري، والمدنية المتعاظمة التي تفسد الطبيعي، والفطري، وربما ايضا الاصيل،
وتحضرني هنا جملة يكررها الروائي المصري يوسف القعيد، وربما تنطبق بشكل ما علي
هذا الصراع الدائم بين الطبيعي والمصنوع، يقول القعيد: اشعر بأن القرية خلقها
الله اما المدينة فقد بناها وشيدها بضعة مهندسين لذلك فان كل ما هو طبيعي يعبر
عن روح اصيلة، وكل ما هو مصنوع هو تشويه لهذه الروح، واعتداء عليها، واغتصاب
لطزاجتها ومحو للهوية النبيلة للانسان لذلك فالمرء يظل يدافع عن هويته هذه بشتي
الاشكال، هذه الهوية التي شكلتها سنوات متعاقبة تكونت عبر الزمن، وها نذكر
مقولة عالم الاجتماع ماكس فيبر الانسان يخلق شبكة من المعاني يظل متشبثا بها
حتي الموت .
لذلك في قصة دويبات الباب الخشبي ينشأ صراع بين الاب والابناء، وهو صراع بالطبع
ابدي ومعلوم ومفهوم وتؤكده ذريعة البقاء التي تتولد في الخلف، وتحرض علي التخلص
من السلف، وفي هذه القصة تأخذ قيمة التخلص من الاب- حسب فرويد- شكل انتزاع
الممتلكات والتي هي بالنسبة للاب، هي مبرر وجوده وبقائه، وهي الموازي الموضوعي
والطبيعي والحيوي لحياته كلها، وكلما ألح الابناء علي انتزاع هوية وروح الاب،
كلما فقد امكانية من امكانيات تعبيره عن نفسه، وقلت قدرته علي التمرد، وانزوت
آليات وجوده، ففي المرة الاولي التي عرض الابناء علي الاب بيع البيت اكفهر
وجهه، نظر اليهم ولم يرد ، في المرة الثانية نظر اليهم ولم يتكلم في المرة
الثالثة حبس دمعته ولم ينبس بكلمة وفي النهاية. الذرورة بعد عشرين عاما جاءه
الابناء والاحفاد، طرقوا الباب طرقا عنيفا، احدث فيه حفرا صغيرة كثيرة.. طرقوه
كثيرا لكن الباب لم يفتح. هكذا حينما تتزايد طرقات والحاح الابناء تتضاءل
وتنزوي قدرات الاب حتي تنتهي الي زوال، واذا كان ذلك طبيعيا، ومن سنن الحياة،
الا انه يأخذ اشكالا قاسية، ويظل الفنان الكاتب غير قادرعلي استيعاب هذه السنة،
او هذه الطبيعة، لذلك فنجد ان نبرة الكتابة هنا وفي قصص اخري نبرة استنكارية،
بل ومتمردة علي هذه القوانين التي اخذت شكل الديمومة والثبات. هذا كاتب ضد
الرتابة وضد ثبات القوانين وتكاد قصصه ان تصرخ بالتحريض علي التغيير، وما قصة
وباء الفؤاد الا المثال والدليل علي التمرد علي الثبات، والتحريض علي التغيير
والوقوف في وجه الاستكانة والخنوع الذي يتحول الي وباء يستوطن الفؤاد، ويجتل
نبضاته، يكاد هذا الوباء ان يعطل كل الطاقات البشرية في الانسان: نرتدي ثيابا
جديدة مكوية ومعطرة، نصطف طوابير عند باب السلطان ندخل بعد انتظار في هلع وخشوع
نركع مستغيثين بأن يفرج همنا، فيبتسم السلطان وتنفرج اساريرنا.. ويستكمل
الكاتب: انقضي نصف قرن ونحن نرفع ايدينا، دخلنا الفية جديدة ونحن نركع مستغيثين
فلا الوباء استطعنا اخراجه من أفئدتنا ولا السلطان نفذ وعده لنا .
أزعم ان هذه الصياغة لولا فنيتها والمدي الذي استطاع الكاتب ان يهيمن علي جموح
طاقاته هنا لكادت ان تصبح تقريرا وتحريضا وبيانا مباشرا للتمرد علي الثبات
-الوباء، فرغم ان كل شيء كما هو، لا يتغير ولا يتحرك، وبالتالي لا يتقدم، الا
ان ذلك يصبح مجالا لسخط الكاتب ، ودليلا علي سكون مميت.
هذا السخط يصل بالكاتب ان يري في قصة بشر من الاكفان الناس علي درجة من الخنوع
والخضوع لكل ما يأتي من بلاد هولاكو، ويعبر الكاتب عن هذا الخنوع او الاستسلام
باللون الابيض: ترجل متجها الي بحر بشري من الاكفان.. احذيتهم لونها ابيض..
لباسهم لونه ابيض.. قلوبهم. دماؤهم.. مشاعرهم تصرفاتهم.. اراؤهم.. تفكيرهم.
قراراتهم، جميعها لا تنال من الدرجات الا درجة اللون الابيض.. وتأتي النهاية
ايضا محرضة ولكن بطريقة اخري: يرفع مثلهم لافتة بيضاء كتبت بالمداد الابيض..
ليسقط الله هولاكو منتهي العجز الذي يدفع المرء الي تجاوزه وتخطيه. ويتضح
الصراع الثنائي اكثر فأكثر في قصة الرحيل والميلاد لتحمل دلالات متعددة اولها
هذا الحوار الذي ينشأ ويتمدد بين الحي والميت، المتحرك والساكن، المتحرك الذي
يري كل مظاهر الطبيعة الخلابة والمبهجة، والساكن الذي انتهت حياته ورؤاه
وحركته، ولكنه ظل مجالا لتحريك سواكن الي ذاته، واستدعاء لشجون وذكريات فالحي
تعاظم حزنه، وهو يري صاحبه يتواري امام ناظريه شيئا فشيئا، كلما انهال عليه
المزيد من التراب، تملكته الرغبة في البكاء اما الدلالة الثانية فتظهر في
التلقي الفاتر للعزاء من جهة الابناء مما يثير دهشة الصديق، وكأن الكاتب لم
يكتف بابراز رغبة الابناء في التخلص من الاباء في قصة دويبات الباب الخشبي
ولكنه يذكرنا مرة اخري بها، ولكن في تنويع مختلف اتجه الي ابنائه الثلاثة،
يعزيهم في فقيدهم استاء من الذي رآه في وجوههم، حاول بتعبيرات وجهه تذكيرهم
بالحدث لكنهم واصلوا مبتسمين يشكرون المعزين مجيئهم الي المقبرة.
للقصة دلالات متعددة يطول شرحها، ولكن اللافت للنظر في هذه القصة وربما في
المجموعة كلها، استخدام الكاتب بكثافة لرموز عديدة مثل الالوان والطقوس
والتعبيرات المتباينة وبالتالي استدعاء الكاتب لمسميات محلية تخص البيئة
القطرية، مثل دنجل وهو الخشب الذي كان يستخدم في سقف المنازل، ايضا استدعاء
وظائف محلية مثل التباب، والسياب، ولعبة شعبية كان يمارسها الاطفال مثل لعبة
بوسبيت حي لو ميت ، هذه الاستدعاءات ليست علي سبيل الفلكلورية، التي اصبحت سلعة
رائجة للترجمة، ولما تتطلبه الكتابة السياحية، بل هذه التضمينات لمفردات بعينها
شعبية، او محلية، تجد لها سكنا طبيعيا بين القيمة السردية التي يذهب اليها
الكاتب.
وطنية، وابرز قصة علي ذلك هي قصة الصقر هذا الصقر الذي مضت سنوات عديدة، ولم
يظهر له ريش جديد، وقد وهنت صحته، وهزل جسده، ولذلك فالصقر ينقض علي فريسته،
والمعني السياسي لا تستطيع ان تغيبه رمزية استخدام الصقر والفريسة ووهن الصحة
وهزال الجسد. وفي بعض القصص يعالج الكاتب هموما اجتماعية عديدة، ليست بعيدة عن
حالات الاحباط التي تدهم الازواج، وربما الابناء، وهي ايضا ليست غريبة عن
الاجواء العامة الوجودية التي تنتشر في ثنايا القصص.. جمال فايز كاتب يتأهب لكي
يضيف للقصة القصيرة في بلاده، بعدا ورائحة جديدين وحقيقيين، وجميلين.
----------------
نشرت في
جريدة الميثاق البحرينية، صفحة ثقافة وفنون، بقلم شعبان يوسف، 9/10/2004م،
العدد: (159)، صفحة رقم: 14.