7-3-2008
|
يـوم العـيــد
1
لأول مـرة يخرج من بيته ، ولا ينظر للنخلة التي غرس فسيلتها جده الأول ،
ورعاهـا أبناؤه وأحفاده ، واستطعم ثمرها سنـين عديدة ، إلا من بضعة أعـوام مضت
، إذ عادت لا تطرح ثمرا ، فتعاظم حزنه ، واشتد ألمه ، ولم يفقد الأمل . ظل
يرعاها ويمنحها معظم وقته ، إلا هذه الليـلة ، فالوقت أمامه قصير ، وعليه شراء
حاجـات كثيرة ، أهمها الفواكه ، فأكثر من الرمان الذي كان يحبه ابنه ، ومن
التفاح الذي كانت تفضله ابنته ، ومن الحلوى و " الرهش" (1) ، وأمضى ليلته ينظف
مجلسه ، ويعد المائدة .
2
على غيـر عادته ، نهض من على فراشه ، أيقظ خادمه ، ثم رجع إلى غرفته ، تعطر ،
لبس ثياباَ جديدة ، وخرج مزهوا يتكئ على عصا جده .
3
في مصلى العيد . جلس في نفس المكان ، الذي كان يذهب إليه منذ صغره مع والده
وجده . تفرس في الوجوه القادمة ، وفي وجـوه الجالسـين عن يمينه ويساره ،
يبـادره القـاعدون بالتهنئة ، ويسأله آخرون عن سر الشجن الذي يكسو وجهه .
اكتظ المكان بالمصلين ، نهض الحشد للصلاة ، فعل مثلهم ، بدأ الإمام في إلقاء
خطبة العيد ، وظل ينظر من حين لآخر ، في وجوه الجالسين ، لعله يجد ناسه (2) 0
بـدأ الناس في الخروج من المسجـد ، تشبث في مكانه ، يحملق في الوجوه ، تـنتابه
الرغبة في العويل ، وهو يتفرس في المارين أمامه حتى رآهم ورأوه ، ترقرقـت
الدموع في عينيه ، هـمّ إليهم ، واصلوا المشي خارجين من المسجد 00 يحدث بعضهم
بعضاً 0
4
رجع إلي بيته ، يتملكه الحزن ، لامست أذنه جذع النخلة ، ضربه بقبضة يـده ،
اقشعـر بدنه ، انتابه إحساس ضاعف من حزنه ، ضربه ثانية وثالثة ورابعة 00 صدق
حـدسه في أن الجـذع أجـوف ، وتمتـم: "حسبي الله ونعم الوكيل" 0
5
وحـده أمام المائدة ، على غير هدى ، يقطع بيدين مرتعشتين مـن الرمان والتفاح ،
وبعنف يغرس السكين في الحلوى والرهش ، دخل عليه خـادمه ، مسح دمعة التمعت على
خده . تنحنح خادمه: "بابـا 00 أنا واجد فيه تعبان ، بابا يروح ينام ولاّ يوقف
علشان إنتَ ؟" ولم يرد ، ظل لـوقت يمعن النظر في المائـدة ، قبل أن يشير إليه
بأن يقتـرب ، ويجلس بمحاذاته ، ويشاركه في طعامه . الدوحة - فبراير 1998م
( 1 ) الرهش : حلوى شعبية .
( 2 ) ناسـه : ذووه0 |
![]()
للتــواصـل
|
|