يتجول داخل ذاته ويتأمل عالما يقتنص لحظاته..
رصد دقيق لبيئة الخليج القديمة في مجموعة الرحيل والميلاد (2-2)
بقلم:
زهير غانم
نشرنا هنا امس الحلقة الاولى من القراءة النقدية المتأنية في مجموعة »الرحيل
والميلاد« للكاتب القاص جمال فايز، وهي المجموعة التي صدرت منذ فترة قريبة عن
المجلس الوطني للثقافة والفنون. واليوم نلتقي مع الحلقة الثانية والاخيرة من
قراءة الشاعر والكاتب الناقد زهير غانم، حيث يغوص في اعماق قصص المجموعة، وما
يتغلغل في ثناياها من رموز متنوعة شفافة، تبدأ مع »ضجيج الصمت«.. فلنتابع
الآن..ضجيج الصمت. رجل اعمال تقتحم مديرة مكتبه اجتماعا له. وتهمس في اذنه
وكأنها تخبره بموت وحيده، ألحت وتابع الاجتماع تذكر موت ابيه في اعماق البحر.
ثم هدية المحارات الثماني لأمه. والدانة التي تاجر بها واغتنى. وصرف وقته في
عمله مهملا عائلته كما يبدو، اوقف الاجتماع دقيقة صمت على وفاة وحيده. وقرأ
عليهم فيما بعد محضر الاجتماع.يا للهول على هذا الموقف وعلى هذه الدراما
المتناقضة، ارواح البيوت: رجل بين الغوص والعمل في شركة البترول. ووفاة امه
وعيشه وحيدا.
|
بعد
الالحاح
تزوج
على
اساس
ان
النساء
ارواح
البيوت.
الا
انه
باكرا
يذهب
ويفطر
في
الشركة
وحيدا
لان
زوجته
تتأخر
في
نومها..
قطعة
سكر
توصيف
فادح
لحالة
زواج
في
المنزل
وفي
الخارج
ولاهتمامات
متناقضة
بين
الزوج
الذي
يهتم
باسقاط
الطائرة
المصرية
في
اميركا،
ولا
يصدق
قصة
انتحار
مساعد
الطيار
فيقول
هم
فعلوها
وصديقه
ابومحمد
يريد
الزواج
ثانية
وهو
فجأة
في
العام
التاسع
في
المتجر
توقف
عن
السير
مع
زوجته
لرؤيته
اخرى
قطعة
سكر
ألذ
من
طعم
السكر..!
|
 |
تحت ظل النخيل لبيت تحت ظلال الزيزفون بل كأنها تمجيد للنخلة التي تعطي الثمار
والغذاء والفيء انما في عبثية الذي يقود السيارة، ويشغل مكيفها، ويلتحق بالجمع
تحت النخيل الذي ثمره غض اخضر وسعفه فاقع اصفر، الرحيل والميلاد القصة التي
منها عنوان المجموعة صديق عجوز يشيع صديقه. مع ذكريات الغوص. وسرقة الصديق
الميت للدانة. ولسمك الآخرين. ومحاولة هذا العجوز ثنيه عن ذلك. ثم رؤيته
العصفورة وعشها وفراخها الثلاثة. ثم الاخذ بالاجر وتعزية الاولاد الثلاثة ثم
العودة الى المنزل. وكأن الذاكرة الحاشدة هي التي تنفرد بتقاسيم القصة والفراق
والغياب. وان صديقه خلف مامات كما العصفورة! وفي القصة ميراث لغة الغوص. ولعبة
في الخليج للصبيان. والدنجل اي خشب الصنوبر، النوخذة قائد سفينة الغوص. والبوم
سفينة الغوص، والسياب من يسحب الغواص. والتباب الصبي الذي يعمل على ظهر السفينة
واللعبة »بوسبيت حي لو ميت« كل ذلك من بيئة الخليج القديمة.
جذور الكرسي المتحرك العاجز في دار العجزة الذي يبيع الجرائد في المشفى ولوحة
مكتوب عليها تبرعوا لاخوانكم المحتاجين من العجزة والمساكين وهو يتحرك ويحرك
الكرسي بنفسه طائرا يرفرف في فضاء ردهات المستشفى وناسه.
آخر البشر من لحم ودم ماسح الاحذية الذي توارث صندوقه عن ابيه وجده وعيشه جانب
مطعم حديث واعتماده على مسح الاحذية. وطعامه من المطعم منتظم عند الاغلاق. ثم
عيش الكلب الوفي الى جانبه، ومحاولة البلدية وضعه في كشك انيق لاجل السباحة.
ورفض الأسر ثم موته من البرد. وعمال النظافة يلقونه في سيارة القمامة التي
تطعنه ويركض الكلب ليلقي بنفسه وراء. وكأنها قصة وفاء الحيوان. وغدر الناس
والحياة..!
***
ويبدو ان القاص جمال فايز آثر ان يتطارح في قصصه الناس الهامشيين الطيبين
الوادعين المستسلمين للحياة. كما هي والذين عاصروا مرحلتين مرحلة الطبيعة
والغوص ومرحلة النفط والتحول. وكأنهم الجسر بين هذه وتلك لذلك نقب وحفر في قاع
المدينة كي يرى ويرقب ويرصد ويحلل ويفكك اثر التحولات الحاسمة والتغيرات
الطارئة المتسارعة على احوالهم ومقاماتهم. واطوارهم ومقابساتهم وتحديهم وكأن
الحياة القديمة البسيطة المتواضعة القاسية قد طمسها البحر بعد ان كانت تعتمد
عليه في سطوحه واعماقه، والكاتب لعب لعبته الفنية في اضاءة شخوصه من الخارج
للداخل، ومن الداخل للخارج وكأنه القانص للملامح والقرائن والتغيرات في الفلاش
باك الذي يلعبه، والمونولوغ الذي يتخاطفه ويتحاصده من جوانية هذه الشخوص ومن
دخيلتها الانسانية. وهذا همه الذاتي واشتراكه واشتباكه معها في تحولات الحياة.
وما رصده لها سوى استحضار لأسس الوجود والنواة الحية الجوهرية الغنية لكل من
هؤلاء دون ان ينسى الهم العام لكن برمزيته وليس بخطابه المباشر عن مظاهرة
الاكفان البيض، وعن الانتفاضة وخيمة 48 كذلك عن الامام ودعائه. والسلطان ووعده
ووباء الفؤاد الذي لا يمكن تغيير كما في اخر البشر من لحم ودم ان يرى مالا يحب
ان يرى وان احب ان يغير لا يستطيع ان يغير لا يقدر كما يفعل الرجال انه يفتضح
العجز والهزيمة في دراما ابطاله وميتاتهم البحرية. او ميتاتهم المنسية كما في
القصة الاخيرة التي اسلفنا. هكذا يتوزع الهم الانساني. وتتحاور نقائض الحياة في
حركتها الغلابة. وتطورها القاسي فتطحن هؤلاء الكائنات الهامشية المهملة الوحيدة
ولا تبقى لها ولا تذر حتى العلاقات الاجتماعية تنفك الاولاد يهجرون الاباء. او
يحاولون سلبهم المكان الذي تجذروا وعاشوا فيه -وحتى الزواج وتعدد الزوجات
واشياء كثيرة مما يعرضها الكاتب تحت مجهره او قصصه القصيرة جدا والقصيرة اذ
تكون القصة القصيرة، او الميني قصة مشهدا او مقطعا او لقطة مفارقة في صفحة
واحدة وقد تكون اكثر من عشر صفحات، الا ان القصص هنا تحكمها الفنية والكثافة
والايجاز، والومض في مناخاتها وفي جملها التعبيرية ومهارة البساطة في اسلوبها،
وحتى الشاعرية التي توشي هذه الدرامات المتلاحقة التي يتطارحها بجماليات الادب
امامنا..!
ومن القرائن التي يستدرجها الكاتب الى قصصه تلك المطابقات والاوائل. وتلك
الترجيعات او الاسترجاعات التي يتفاصل فيها ويتفاضل حتى في بعض الجواءات
الغرائبية كالزهرة والمس او الجواءات الفانتازية كالحمائم البيضاء الا انه ومن
خلال البنية المعمارية السردية او التعبيرية يحقق الانجداب في قصصه والانئخاذ
بها الى درجة تبين السجية العذبة الفتانة التي تصدر عنها والروح الانساني
المتفشي فيها..!
ربما قصرت او اخطأت في تلخيص القصص واستعراضها باقتضاب شديد وربما جانفت الصواب
في التدويل والتأويل الا ان قراءتي الذوقية والادبية قد تعوضني عن ذلك فلم اكن
واهما تجاه القصص. ومادتها حيوية حية وقادة في الخيال والضمير. كما هي في
استعراءات الواقع الذي نبتت واثمرت فيه مع لغة سلسة رصينة. محمولة على خفتها
وكثافاتها ولطافاتها معا. ومع عين رائية. ونفس راصدة متحركة متحولة تضرب في
الدفين وتذهب الى اللقى والآثار، وربما مستحاثات الذاكرة، وكأن القاص في جدلية
الخفاء والتجلي وفي الثابت والمتحول يحرك العالم. ويتحرك فيه يبصره ويستبصره
ويلقي عليه تعاويذه وطلاسمه واحجبته. كما انه يقرأ في كفه وفنجانه. عبر طقوسية
قصصية. قد تكتنفها بعض الاسرار لكن السحر يوشي ديباجتها التعبيرية، التي تكشف
وتتوجس وتضيء وتصدر بعض الغوايات الكتابية الغنائية والبنائىة معا حتى في
مجاورات الدال والمدلول والتسميات والايحاءات. التي تتوافر عليها غالبية قصص
المجموعة وكنت اشرت الى المكان الذي هو وعاء الزمان ولابد من الاشارة الى اجساد
الكائنات التي يستحدثها ويستنطقها والى هيآتها وسماتها على انها اوعية الروح
وهي تتحرك وتتشظى وتندر وتموت. او تختفي في الاعماق او توارى في المقابر على ان
عنصر الزمان الباهظ القاسي. هو الذي يتحكم بمصائرها كما لو انها تنتقل وتتحول
بين الاسباب والنتائج. وما من منطقية في القصص سوى ان الامور تحدث بخواتيمها.
وطريقة تجليها حداثية وليست تقليدية، الا ما يستشبه لنا في بعض القصص من تمهيد
وحدث وعقدة وخاتمة وهذا مبعثر في سيرورة القصص وليس ناظمها على وجه التحقيق
والتدقيق فهو في الحدس والذوق اكثر منه في برمجة القصص وتخطيطها..!
وفيما يكون الكاتب يقدم كشفا ذاتيا عن شخصه وموضوعيا عن العالم الذي يعيش فيه
يستخدم شخوصه كأقنعة ربما كي يبوح من خلالها ما يود قوله، وما يبثه ويرسله لنا
فهو يتنافدها ويتناضخها. ويتقولها ويتأولها ويتناسجها ويتناسخها، ويتقمصها،
ويتركها مستقلة في حيواتها، وكأنها مرايا متقابلة متقاطعة، يجد فيها قلقه ورعبه
من كابوسية الحياة، وتحولاتها العنيفة، وانعكاساتها على كائناته المعذورة
المغادرة.
ان الروح الابداعي لديه باروميتر الحساسيات والتحولات التي تلطع وتجرح. اجساس
وارواح الهامشيين في الواقع وفي ذؤابات ودوامات الحنين..!
============
· نشرت
ف جريدة الراية القطرية ، صفحة ثقافة وأدب ، 30/12/2004م