7-3-2008
|
آخر البشر من لحم ودم1أسمـر . زادته السنين سمرة ، بفعل حرارة الشمس ، ومـاء البحر ، تكسو وجهه بثور ، وعنـاقيد جلدية ، جلس أمام مطعم افتتح حديثا للوجبات السريعة ، افـترش قطعة قماش ، وضع فوقها كومة من الجلود ، وصندوقاً من خشب الصندل ، تـزينه مسامير نحاسية خاصة ، ورثه من جـده ، الذي ورثه من أجداده 0 ظل يراقب المارة بعين نهمة ، وكلما مضت الأيام ، عظمت فرحته ، لرؤيته ازدياد عدد المترددين على المطعم ، لكن نـادرًا ما يأتيه أحـدهم ، وفي هذه الحالات النادرة ، كانت الغالبية تطلب منه تلميع أحذيتها .
2ذات مساء ، وبينما بدأ يهم بتنـاول عشائه ، الذي يقدم له دون مقابل ، من المطعم عند وقت إغـلاقه ، اقترب منه كلب ، ينظر إليه ، وإلى طعامه ، وإلى الأرض بانكسار ، يغلفه حزن لا يعرف ما كنهه ، رمى إليه ببضع عظيمات بعيدا عنه ، ركض وراءها ، جلس يلوكها وهو بين الحين والآخر ، ينظر إليه ، وللعظيمات ، والأرض .
3طـوت الأيام من صحائفه شهوراً عديدة ، ويكاد لا يأتيه أحدهم ، ولم ييئس ، ولم يمل من طول الانتظار . يتابع خطوات الرجال ونسائهم وصغارهم ، وإذا تغلغل السأم إلى أعمـاقه ، ردد .. " الحمد لله على كل شيء " .
4بعد مضي بضـع سنوات أخرى ، كاد ينسى عمله لندرة المترددين عليه ، لكنه لم يأبـه بالأمر كثيـراً ، كان يشعر بالاطمئنان ، فطعامـه يأتيه بانتظام من المطعـم ، ويشـعر بالأمان لوجـود الكلب معه ، الذي قلما يفارقه ، ولم يمل مـن مراقبة النـاس ، والسيـارات الغالية الثمن ، التي تقف أمام المطعم ، يخرج منها في الغالب صبية صغار ، ترافقهم خادمات ، وإن لم تقف سيارة ، ينظر إلى الصبية ، من وراء نافذة المطعم ، يبهجه لعبهم ، ويحيره انهماك الخـادمات في تناول طعامهم ، ويتمتـم .. " الحمد لله على كل شيء " 0
5 مضت سنـوات أخرى وهو على حالته ، لا شيء تغير سوى اسوداد قطعة القماش ، وكُشك رأسيّ الشكل ، مصنّع من الخشب الصناعي ، قدمته له أمانة البلدية ، وطلبت منه أن يجلس في داخله ، لكنه لم يفعل ، رغم تحذيره مراراً من موظفي أمانة البلدية ، كـان يجـيب بأنـه غير قـادر على حياة الأسر ، وإن حاصرته سياط التهـديد ، يـرد في الشجن:
- لم أُخلق لحياة الأسر ، منذ أن ولـدت وأنا مدفوع إلى مواجهة أسمـاك القرش ، وانتـزاع الدانات من أحشاء البحر ، وفراق الأهـل ، والأحبـاب 00 شهوراً عـديـدة "هيــه" 00 لو تعلم ما في الصدر00 ما الذي يتعب الرَجُل 00 أقول لك ، أنا أقول لك ، أن يرى ما لا يحب أن يرى ، وإن أحب أن يغير ، لا يستطيع أن يغير ، لا يقدر 00 كما يفعل الرجال .
ورد الآخر في حزم:
- يا خَبَـل هذا ليـس بالأسر ، إنما هو الحفاظ على جمال المدينـة ، أمام السياح والزائرين ، ولحمايتك من الغبار والمطر .
وقاطعه يواري دمعة ، التمعت على خده:
- اتركني الله يخليك
وينظـر إلى الناس ، والسيارات ، والعمارات ، ومصابيح الشـوارع ، وإلى الكلب 00 يحـدق فيه 00 يتأمله 00 يمسح على ظهره 0
ينظر ثانية إلى المارقين أمامه ، تـتـنازعه أسئلة تحيّره 00 لماذا بات الناس في عجلة من أمرهم ؟ 00 يتتبع بنظره السيارات الفارهة ، المُـسيرة من أمامه ، وإلى الواقـفة أمام المطعـم ، وإلى الصغار الخارجـين وحدهم منها ، ولا يفهم 00 لماذا لا ترافقهم الخادمات ؟ 00 ينظر إليهم من خـلف زجاج المطعم 00 يسمع ضحكاتهم 00 أحاديثهم ، التي لا يفهمها ، مثل أغاني المكان ، وسَيْل دموعه ، التي لا يفهـم لم تنهمر الآن 00 وإلى الناس ، ولم الناس لا تلقي عليه السلام ؟ 00 ولم الغرباء 00 أغلب الغرباء 00 إن مروا من جانبه ، ونظروا إلى الصندوق الخشبي ، الذي أمامه ، ابتسموا في وجه الصندوق ؟ 00 ولـم إن ثارت ثائـرته ، لا يمـلك إلا أن يشتم الكلب ؟00 ولم الكلب ، لا يمل منه ؟ 00 ولم لا يريد أن يبتعد ، ويدعه وحده ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
6وَهَنَتْ صحته ، وزادها سوءاً دخول الشتاء ، عاد لا يملك اتـقاء البرد ، إلا أن يتكور على نفسه ، يتدثر بقطعة كرتون مهترئة ، وكلما زاد البرد ، تكور أكثر ، حتى عاد لا يرى منه إلا يده المرتعشة ، ممددة على الأرض 00 باتت هي نظره ، وجميع حواسه .
بعد أسبـوع على حالته ، عـادت يده لا ترتعش ، وما غاب عن نظره كلبه 00 ظل يلازمه ، حتى وإن أراد التبول .. يلعق جسده ، يحميه من الفئران السائبة ، ولا يملك إلا أن ينبح في وجوه الراكضين مشياً .
بعد مضي أسبوعين على أسبوعه الأول ، انتبه إليه عـامل النظافة ، من خلال هستيرية نباح الكلـب ، ذهب تجاهه ، ثم ما لبث أن نادى زميله الآخر ، لفـاه بقطعة القماش ، أخـذاه إلى السيارة ، وحـينها ، أثناء مشيهما إلى السيارة ، كان يتساقط من القماش سواده . قُذف به في فم حاوية قمامة السيارة ، ليمتزج جسده مع أحشاء الحاوية ، بفعل ثلاثة تروس حديدية ، تدور عكس عقـارب السـاعة .
وواصلا فعل الشيء ذاته ، مع بقيـة أوعية القمامة ، الموجودة بجـانب المطعم ، قبل أن يبتعدا عن المكان والكلب ، الذي لم يكف عن النباح ، والجـري خلف السيارة ، فاضطر سائقو السيارات التي وراءه ، إلى التخفيف من سرعة سياراتهم ، وازدادت أعداد السيارات المُسيّرة خلف سيارة القمامة ، وتحول المنظر إلى موكب مهـيب ، إلى أن قـفز الكلب في فم الحـاوية . ليمتزج لحمه وعظامه مع صاحـبه والقمامة .
الدوحة - إبريل 1999م
|
![]()
للتــواصـل
|
|