آخر البشر من لحم
ودم
قصة قصيرة
1
أسمـر . زادته السنين سمرة ، بفعل حرارة الشمس ، ومـاء البحر ، تكسو وجهه بثور
، وعنـاقيد جلدية ، جلس أمام مطعم افتتح حديثا للوجبات السريعة ، افـترش قطعة
قماش ، وضع فوقها كومة من الجلود ، وصندوقاً من خشب الصندل ، تـزينه مسامير
نحاسية خاصة ، ورثه من جـده ، الذي ورثه من أجداده .
ظل يراقب المارة بعين نهمة ، وكلما مضت الأيام ، عظمت فرحته ، لرؤيته ازدياد
عدد المترددين على المطعم ، لكن نـادرًا ما يأتيه أحـدهم ، وفي هذه الحالات
النادرة ، كانت الغالبية تطلب منه تلميع أحذيتها .
2
ذات مساء ، وبينما بدأ يهم بتنـاول عشائه ، الذي يقدم له دون مقابل ، من المطعم
عند وقت إغـلاقه ، اقترب منه كلب ، ينظر إليه ، وإلى طعامه ، وإلى الأرض
بانكسار ، يغلفه حزن لا يعرف ما كنهه ، رمى إليه ببضع عظيمات بعيدا عنه ، ركض
وراءها ، جلس يلوكها وهو بين الحين والآخر ، ينظر إليه ، وللعظيمات ، والأرض .
3
طـوت الأيام من صحائفه شهوراً عديدة ، ويكاد لا يأتيه أحدهم ، ولم ييئس ، ولم
يمل من طول الانتظار . يتابع خطوات الرجال ونسائهم وصغارهم ، وإذا تغلغل السأم
إلى أعمـاقه ، ردد .. " الحمد لله على كل شيء " .
4
بعد مضي بضـع سنوات أخرى ، كاد ينسى عمله لندرة المترددين عليه ، لكنه لم يأبـه
بالأمر كثيـراً ، كان يشعر بالاطمئنان ، فطعامـه يأتيه بانتظام من المطعـم ،
ويشـعر بالأمان لوجـود الكلب معه ، الذي قلما يفارقه ، ولم يمل مـن مراقبة
النـاس ، والسيـارات الغالية الثمن ، التي تقف أمام المطعم ، يخــرج منها في
الغـالب صبية صغار ، ترافقهم خادمات ، وإن لم تقف سيارة ، ينظر إلى الصبية ، من
وراء نافذة المطعم ، يبهجه لعبهم ، ويحيره انهماك الخـادمات في تناول طعامهم ،
ويتمتـم .. " الحمد لله على كل شيء " .
5
مضت سنـوات أخرى وهو على حالته ، لا شيء تغــير سوى اسوداد قطعة القماش ، وكُشك
رأسيّ الشكل ، مصنّع من الخشب الصناعي ، قدمته له أمانة البلدية ، وطلبت منه أن
يجلس في داخله ، لكنه لم يفعل ، رغم تحذيره مراراً من موظفي أمانة البلدية ،
كـان يجـيب بأنـه غير قـادر على حياة الأسر ، وإن حاصرته سياط التهـديد ، يـرد
في الشجن:
-
لم أُخلق لحياة الأسر ، منذ أن ولـدت وأنا مدفوع إلى مواجهة أسمـاك القرش ،
وانتـزاع الدانات من أحشاء البحر ، وفراق الأهـل ، والأحبـاب .. شهوراً عـديـدة
"هيــه" .. لو تعلم ما في الصدر .. ما الذي يتعب الرَجُل ..
أقول لك ، أنا أقول لك ، أن يرى ما لا يحب أن يرى ، وإن أحب أن يغير ، لا
يستطيع أن يغير ، لا يقدر .. كما يفعل الرجال .
ورد الآخر في حزم:
- يا خَبَـل هذا ليـس بالأسر ، إنما هو الحفاظ على جمال المدينـة ، أمام السياح
والزائرين ، ولحمايتك من الغبار والمطر .
وقاطعه يواري دمعة ، التمعت على خده:
- اتركني الله يخليك
وينظـر إلى الناس ، والسيارات ، والعمارات ، ومصابيح الشـوارع ، وإلى الكلب ..
يحـدق فيه .. يتأمله .. يمسح على ظهره .
ينظر ثانية إلى المارقين أمامه ، تـتـنازعه أسئلة تحيّره .. لماذا بات الناس في
عجلة من أمرهم ؟ .. يتتبع بنظره السيارات الفارهة ، المُـسيرة من أمامه ، وإلى
الواقـفة أمام المطعـم ، وإلى الصغار الخارجـين وحدهم منها ، ولا يفهـم ..
لمـاذا لا ترافقهم الخادمات ؟ .. ينظر إليهم من خـلف زجاج المطعم .. يسمع
ضحكاتهم .. أحاديثهم ، التي لا يفهمها ، مثل أغاني المكان ، وسَيْل دموعه ،
التي لا يفهـم لم تنهمر الآن .. وإلى الناس ، ولم الناس لا تلقي عليه السلام ؟
.. ولم الغربـاء .. أغــلب الغرباء .. إن مروا من جانبه ، ونظروا إلى الصنــدوق
الخشبي ، الذي أمامه ، ابتسمـــوا في وجه الصندوق ؟ .. ولـم إن ثارت ثائـرته ،
لا يمـلك إلا أن يشتم الكلب ؟ .. ولم الكلب ، لا يمل منه ؟ .. ولم لا يريد أن
يبتعد ، ويدعه وحده ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
6
وَهَنَتْ صحته ، وزادها سوءاً دخول الشتاء ، عاد لا يملك اتـقاء البرد ، إلا أن
يتكور على نفسه ، يتدثر بقطعة كرتون مهترئة ، وكلما زاد البرد ، تكور أكثر ،
حتى عاد لا يرى منه إلا يده المرتعشة ، ممددة على الأرض .. باتت هي نظره ،
وجميع حواسه .
بعد أسبـوع على حالته ، عـادت يده لا ترتعش ، وما غاب عن نظره كلبه .. ظل
يلازمه ، حتى وإن أراد التبول .. يلعق جسده ، يحميه من الفئران السائبة ، ولا
يملك إلا أن ينبح في وجوه الراكضين مشياً .
بعد مضي أسبوعين على أسبوعه الأول ، انتبه إليه عـامل النظافة ، من خلال
هستيرية نباح الكلـب ، ذهب تجاهه ، ثم ما لبث أن نادى زميله الآخر ، لفـاه
بقطعة القماش ، أخـذاه إلى السيارة ، وحـينها ، أثنـاء مشيهما إلى السيارة ،
كان يتساقط من القماش سواده . قُذف به في فم حاوية قمامة السيارة ، ليمتـزج
جسده مع أحشاء الحاوية ، بفعل ثلاثة تروس حديدية ، تدور عكس عقـارب السـاعة .
وواصلا فعل الشيء ذاته ، مع بقيـة أوعية القمامة ، الموجودة بجـانب المطعم ،
قبل أن يبتعدا عن المكان والكلب ، الذي لم يكف عن النباح ، والجـري خلف
السيارة ، فاضطر سائقو السيارات التي وراءه ، إلى التخفيف من سرعة سياراتهم ،
وازدادت أعداد السيارات المُسيّرة خلف سيارة القمامة ، وتحول المنظر إلى موكب
مهـيب ، إلى أن قـفز الكلب في فم الحـاوية . ليمتزج لحمه وعظامه مع صاحـبه
والقمامة .
الدوحة – إبريل 1999م
---------------
*
من المجموعة القصصية
الرحيل و الميـلاد ،
الطبعة الأولى الدوحة 2003م ،
الطبعة الثانية بيروت 2007م