|
|
|
الموروث الإنساني في الرحيل والميلاد
بقلم الدكتور: مراد عبدالرحمن مبروك
صدر للكاتب القاص جمال فايز مجموعته القصصية الثالثة بعنوان الرحيل والميلاد
بعد ان صدرت له مجموعتان هما سارة والجراد سنة 1991 والرقص علي حافة الجرح
سنة1997 وقد صدرت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث.
|
والمتتبع لمسيرة جمال فايز القصصية يلحظ تطورا ملحوظا مابين سارة
والجراد والرحيل والميلاد فالاولي تمثل البدايات الاولي للكاتب حيث
يوجد بها بعض مزالق البدايات بينما المجموعة الثالثة التي صدرت بعد
الاولي باثني عشر عاما تخلصت من هذه المزالق الفنية.
ومجموعة الرحيل والميلاد تحوي ست عشرة قصة قصيرة وتدور في ثلاثة
جوانب علي مستوي المضمون هي: الجانب الموروثي، والجانب الاجتماعي
الحاضر والجانب الرمزي الاستباقي او الرمز المقترن بالمستقبل.
|
 |
ففي الجانب الاول الموروثي ويعني به حنين الشخصية الي الموروث الماضي بعد ان
هرب منه الجيل الحاضر ووصل الي حد القطيعة عنه في بعض القصص اي ان هذا الجانب
يصور طبيعة الواقع المعيشي عند بعض الشخصيات التي تهرب من موروثها واصالتها
وجذورها التاريخية وتحاول الانفصال عنه بكل السبل الممكنة كما في قصص وماتبقي
من شظايا المحار ودويبات الباب الخشبي ويوم العيد والحمائم البيض، والرحيل
والميلاد،
فـفي قصة
ماتبقي من شظايا المحار نجد الشخصية التي تتحسر علي الماضي الذي هجره الناس وقد
اصبحت السفينة القديمة التي كانت مصدر رزق للمجتمع شبحا يهرب منه الجيل الحاضر
وقد تغير في المدينة كل شيء وحملت الرافعات السفن القديمة ووضعتها في مكان بعيد
بينما صاحب السفينة لايملك غير موال قديم يردده بين اونة واخري وصلاة الاستسقاء
لم تعد تجدي شيئا في واقع لفظ كل موروثه وتبرأ منه.
وفي قصة دويبات الباب الخشبي الاب يرفض بيع البيت لكن الابناء يصرون علي بيعه
ويتحقق لهم ذلك عندما يطرقون الباب ذات مرة فلا يرد ويجدونه جثة هامدة حينئذ
يشرع الابناء في التخلص من البيت الذي يجسد عراقة المكان واصالته وفي قصة في
يوم العيد نجد الابناء الذين لايسألون في والدهم ولايوجد من يؤنس وحدة الاب
وعزلته غير خادمة ويتحسر البعض علي الخيام التي انقرضت وحلت محلها المباني
الاسمنتية وفي الرحيل الميلاد لايحزن الابناء علي موت ابيهم ويتلقون العزاء بلا
مبالاة بينما الذي يذكره صديقه في رحلة الحياة الذي يتعجب من سلوك الابناء
وهكذا نجد القصص التي تمثل هذا الجانب الموروثي تعكس فقدان القيم الانسانية
النبيلة لدي الاجيال المعاصرة التي لفظت الانتماء لحضارتها وفكرها وثقافتها
وبيئتها الزمانية والمكانية بل انها تسخر من كل مايمت بصلة لتراثها القديم حتي
الابناء يتلقون نبأ وفاة ابيهم بسخرية ولامبالاة يقول: مسح علي وجهه ينطق
الشهادتين اتجه الي ابنائه الثلاثة يعزيهم في فقيدهم استاء من الذي رآه في
وجوههم حاول بتعبيرات وجهه تذكيرهم بالحدث الجلل لكنهم واصلوا مبتسمين يشكرون
المعزين مجيئهم الي المقبرة ،تركهم مبتعدا يضرب كفا بكف.
بينما ينظر الي الشجرة فيري الدفء النبيل بين العصافير وصغارها علي حين هذا
الدفء اصبح مفقودا في بني البشر.
وهكذا يحاول الكاتب تعرية سلبيات الواقع المعيشي.
وللحديث بقية عن الجانبين الاخرين في الرحيل والميلاد.
-----------------
نشرت في جريدة الراية القطرية ، صفحة ثقافة وأدب ، عمود: نافذة للرأي ،
بقلم الدكتور عبدالرحمن مبروك ، العدد (7836) ، 21/12/2003م