|
|
|
إظــــلام
قصة قصيرة
بعد الطلاق . أشياء كثيرة تغيرت . تصرفات الأبناء تبدلت . تساؤلات حائرة شجية
سُئـلت ، لكنـه ، ولأجلهـم ، تخيـر الصمـت . لم ينبس بكلمة رغم كل التوسلات .
لم يقل رغم تجريحه بالكلمات والنظرات ، وإن داهمتـه لحظة وهن ، وأحس أنه بـدأ
يفقـد سيطـرتهُ على لجام الحقيقة . يهرع إلى غرفته . يتقيأ أنينه . يمسح بيدين
مرتعشتين دموع عينيه وأنفه وفمه .
التـوسلات تبـدلت إلى لسعات . تقلقه في مضجعه . تمزق سكون وحدته . توقظه من
منامه ، وأمام إصرار أبنائه على معرفة الحقيقة ، فضل لملمة حاجاته وتركَ المنزل
.
|
المنزل من بعده ظل لبضع سنوات بأبنائه وزوجته عامراً ، ثم نقص
واحداً ، أبنته التي زوجت ، ويوم عقد قرانها ، وليلة زفافها إلى
زوجها لم يخبره أحد ، ثم نقص واحداً آخر . أبنه الأصغر الذي سافر
ليستكمل دراساته العليا ، ومضت سنتان قبل أن يتزوج الأكبر . الابن
البكر ظل دائما يردد في المقاهي والمجالس، أنه تزوج تنفيذاً لرغبة
والدته، |
|
 |
ولطلبها بنى لها ملحقاً ، وأمام إصرارها ، أقام حاجزاً ليفصل بين الملحق الذي
تسكن فيه والفيلا التي يعيش فيها وزوجته ، ووالدته حينما تُسأل ، تقسم بالله
العلي العظيم إنها لم تقل ولم تطلب .
بعـد سنـوات عديدة . نقلت الأم إلى المستشفى ، ووجـودها فيه أيقـظ فيهم
حقيقة أهملوها ، وهي أن لهم أما لازالت حية ترزق ، واجتمع الأبنـاء لينظـروا في
الأمر:
ليلى : أمنا في حالة يرثى لها
سالم : وماذا عسانا أن نفعل ؟
ليلى : يأخذها أحدنا
سالم : فعلاً ، هذا أفضل حل، أحمد هو الأكبر
أحمد : هه ، أ ، انا لا ، لا لا ، لا أقدر ،
أعـ ، أعني ، بل أقصد
ليلى : يكفي ، فهمنا ما تقصد ، وأنت
سالم : صراحة أتمنى ، والله اتمنى ، لكن زوجتي لن تقبل
ليلى : نعم ؟
سالم : والله العظيم من دون ما احاول أعرف إنها سترفض
ليلى : وإذن لم يبق إلا أنا
أحمد : ولا أنت ، آنت أيضاً زوجك يتذمر من زيارتها لك
ليلى : صحيح ، لديك حل آخر
احمد : يظل الملحق هو الحل الأمثل
ليلى : قلت لك أن والدتنا في وضع سيّئ
سالم : كفى ، كفى . لدي اقتراح ، لتبق في المستشفى
ليلى : إذا خرجت
سالم : بسيطة ، نأخذها إلي دار المسنين
احمد : نعم ؟
سالم : لا تنسى أن أمنا تحتاج إلى رعاية
احمد : وماذا يقول الناس عنا ؟
سالم : فعلاً .. صحيح ، إذن ، ليلى ما رأيك ؟
ليلى : ياحسافة
في المستشفى تمشي ليلى إلى غرفة والدتها ، تتذكر صباها مع والدتها ، وحب
والدتها للعطر والتزين ، وتتنهد ، تتحسر على ما آل إليه حال أمها ، وفي الوقت
ذاته تفكر في طريقة تقنع بها زوجها لتعيش أمها معها في بيتها .
طرقت باب الغرفة . دخلت . قبلت جبين أمها ، وقالت:
-
ما أخبارك ؟
-
00000
-
الحمدُ لله ، أنت اليوم افضل
-
بل تبدو إنها النهاية
-
بل إن شاء الله سوف تخرجين ، وقريباً
-
لا اعتقد
-
أمي .. أرجوك ، أبقي كما أنت
-
أُه .. السرير لا يحتمل ، هه ، ما أخبارك وأخوتك ؟
-
دائماً يسألوني عنك
-
صحيح ؟
-
طبعاً ، ولولا كثرة مشاغلهم لكانوا الآن معي
-
طيب ، وما أخبار البيت
-
لا قيمة له بدونك
-
والغنم والدجاج والهرة ؟
-
موجودين
-
ليلى ؟
-
صدقيني
-
الحمد لله ، الحمد لله على كل شئ
في ليلـة ليلى نائمة . لا تعرف كم هي الساعة ، مدت يدها إلى سماعة الهاتف ،
وبعدها ، حادثت أخوتها .
ذهب الأخوة إلى المستشفى ، وفي غرفتها ، وجدوها تغرغر . أيقن الجميع أنه هو
لا محالة ، وبعدها خرج الأبناء كل إلى وجهته . متمتين ، الله يرحمها .
الدوحة - نوفمبر 1995م
-------------
* من المجموعة القصصية "الرقص
على حافة الجرح" ، الطبعة الأولى الدوحة 1997م ، الطبعة الثانية القاهرة
2001م ، الطبعة الثالثة بيروت 2004م
|
|
|
|
Revised:
27/05/11
:آخـر تحديث
|
|