7-3-2008
|
فئـران و حجـارة
منذ أن هاجرت الشمس . وساد الوشاح الأسود . وهو جالس القرفصاء عند باب خيمته . الجو يزداد برودة . يشعر به لا يدخل0 يتكور في مكانه 0 ينظر إلي أعلى 0 السماء ملطخة بغيوم داكنة 0 ينظر إلي الأطفال 0 الأطفال ثيابهم رثة 0 شعورهم مبعثرة 0 أجسادهم متسخة 0 ومتكئ بعضهم عند حجارة كبيرة شبه مستديرة وآخرون عند شجرة زيتون 0 يضربون الحجر على حجر أكبر 0 يا لهؤلاء 0 يوم أن كان في سنهم ، كان يلعب الكرة وشد الحبل ، وهؤلاء لا يغريهم إلا لعبة الحجر 0 يتكور أكثر كلما ازداد الجو برودة ، والغيوم يمزق الريح جسدها 0 الريح يسمع صوتها وهي تدخل من ثقوب خيمته 0 ثقوب خيمته كل يوم وربما أحيانا كل بضعة أيام تتكاثر مثل تكاثر الفئران 0 الفئران أصبحت في كل مكان 0 لم تعد تترك لهم طعاماً أو أماناً 0 آه 0 الطعام . وضع يده في جيوب ملابسه الممزقة في مواضع . الرثة في كل المواضع . يبحث ولا يعثر على شئ 0 آه 0 كانت عند والده الذي هوى على الأرض منذ شهر ونيف . كان آخر حزام أمان افتقده ولم يرث منه إلا الذكرى والدمع . هذه رغبة والده .. كان دائماً يطلب منه الصبر . حتى يوم هوى على الأرض بضربة قوية مباغتة ، تصبرّ ولم يئن . كأنما هي وصية وضعها في عنقه .. "الإنسان لا يُذل إن لم يسجُد ، ولن يسجُد إن آمن بالصبر . لن يستطيع أي كائن أن يلغي وجود آخر إن تجلد بالصبر" ، كانت هذه كلماته حين تمرد على الذي سيأخذ منه قسراً منزله ومزرعته . وظل يتذكر .. الصبر .. الصبر .. الصبر .. الجو يزداد برودة . الفئران يسمع حركاتها من بعيد . الغيوم يلتحم جسدها كلما تمزقت . السماء وشاحها ازداد سواداً . وسيدة ترنو ، تجلس بجانبه :- - ألن تدخل عن الهواء البارد ؟ - ماذا سيحدث أكثر مما حدث ؟ - المرض . الهواء البارد قد يصيبك بالمرض . - لن يكون كوباء 48 - قد ينهمر المطر ، ويبتل جسدك ؟ - منذ أن ولدت جسدي مبتل . - ادخل "وأردفت في رجاء أكثر" نحن بحاجة إليكم .. - أنتم بحاجة للصبر - أنتم دعاماته وإلا تكسر - سيكون مؤلماً أكثر من تورم ساعدي . "نظرت إلى ساعديه الملفوفين بقطع من القماش ، وأردف مبتسماً" إنها ضريبة الصبر. - "قالت وهما يسمعان صوت الرعد" بوركت أيها الفتى . - محمــد - ابن من ؟ - عبـدُالله .. لكن الفئران قرضت أوراق هويتي - وجودك هوية "نظرت إلى أعلى" صوت الرعد يزداد ، قد يسقط المطر - "ونهض ذاهباً" ليسقط . ظل يمشي بين الحطـام والأوساخ . في قرارة نفسه يود لو ذهب إلى قبر والده . ولكن ، أين هو ؟ ، الفئران حينما تقرض جسداً لا يهمها أين ترمي ما تأكله ، عند بوابة المخيم منع .. رجع .. في صمت رجع . دخل منزله . لعنة الله على هذا الوباء . لقد بعثروا كل شئ . لم تبق ورقة إلا وقرضت . ولا صورة إلا ومزقت ، وهو يعيد ترتيب غرفته . سمع أصواتاً في الخارج . خرج فزعاً . اخترق صفوف قومه . رأى الفئران تقرض ما تبقى بينما الأطفال بدؤوا يرجمونها بالحجر . الفئران تحمي نفسها . تفر إلى جحورها . ساد المكان الهدوء ثانية . عاد الأطفال يمارسون لعبة الحجر . ذهب الأهل كل إلى حاله . جلس في مكانه . يجاهد تحريك ساعديه . "تبّـاً لهما ، ألن يقوى الساعدان بسـرعة" . قرب يده من حجارة صغيرة بجانبه . يحاول مسكها . رفعها . يتألم . يعض بأسنانه شفتيه . تدمع عيناه لعجزه . الدم يمتزج وهو يلوث قميصه الأسود مع لعابه الأحمر . يمسح دموعه على ركبتيه . إنها رغبة والده . لمح طفلاً . ناداه . الطفل يقترب . يدنو منه . يطلب منه تحريك ساعديه . يتألم أكثـر . يئن من الأعماق . يبتعد الطفل . يناديه . يبتعد . يختفي أثره وسط الأطفال . الأطفال يلتقطون حجراً . تقترب صبية . يرجوها أن تقترب أكثر . يتوسل أن تكف عن البكاء . يمد يده نحوها ، تتمتم:- - والــ..دتـ..ي - سـ..اعــ..دي - لم يعد لها أثر - سـاعـ..دي - وأخي الذي في بطنها ، ربما . لا يرى الدنيا.. - "وناظرٌ إلى يديه" يجب تمرينهما . - "اتكأت ممسكة بقبضة يديها كتفه" قلت لك والدتي . - "وصرخ أعلى منها " والدي قال الصبر - "نهضت على غرة ، وفي غضب ثائر" وأنا والدتي قالت الصبر . لكن الفئران ازدادت شحماً ولحماً . "ذهبت عنه ، سمع صوتها ثانية بعد بضع خطوات" الصبر لا يطرد الفئران . لا يطرد . لا يطرد . صَمَتْ .. في ظل الصمت صَمَتْ . الدقائق تمرُّ عليه بتؤدة . والأطفال يراهم ثائرين على الوشاح الأسود . الوشاح الأسود يتهادى . إنه ينهار ، والأطفال لا يزالون يمرون من جانبه ، ولا يسمع منهم إلا قرقعت طبول الحجارة . الحجارة في أيديهم . في قمصانهم . في دمائهم . أنهم مثل خيوط الفجر . يخلقون حياة جديدة ، وهم لا يزالون حتى الآن يرجمون الفئران بالحجر . الدوحــة - 1988م
|
![]()
للتــواصـل
|
|