جالس وقت الأصيل في حديقته ، المتوسطة بين الباب الخارجي ومنزله ،
الذي شرع بالبحث عن شركة مقاولات لبناءه بعد سنتين من حصوله على
الشهادة الجامعية ، وبعد ثلاث سنوات اقام فيه غداء بمناسبة زواجه
، وانجبت له إمرأته في الأربعين سنة تسعة ، أربعة منهم ذكور ، يعيش
فيه الان أكبرهم وزوجته وحفيديه ..
لفت انتباهه ورقة تتهاوى امامه ، سقطت من الشجرة الموجودة وراءه ،
زرعـها وأخرى شجيرات خلال فترة بنائه منزله ، متنوعة الثمار ،
قريبة جميعها من سور المنزل ، تحيطها وعلى اطراف حديقته زهور كثيرة
، متباينة الأشكال والألوان ، اسرعت الى الورقة هرته ، دفعتها
بيدها اليمنى ، حاولت وضع يدها عليها ، لكن الورقة ظلت تتحرك بفعل
تيار هوائي يدفع بها ، اضحكه حركاتها وتحفزها ونظراتها ، وكلما حرك
الهواء الورقة ابدت هرته اهتماما أكثر ، تقفز وحولها .. تقف وتراقب
، وان طال بقاء الورقة تمددت على العشب أو تقلبت يمنة ويسرة ، تفرك
جسدها بالعشب الندي ، وترجع من جديد ان تحركت ، تحاول تارة وضع
يدها عليها ، وتارة بتحريكها ، وما ترتكتها إلا بعد ان علقت بين
غصنين زهرتين.
اقبلـت القطة إليه ، دارت حولـه مرتين ، تفرك انفها في ظهره ..
ساقيه الممدة .. جلست في دورتها الثالثة عن يمينه ، ملاصقه جسمها
ساقه ، تلعق ساعديها ، ويمسح براحة يده على ظهرها ، وباليد الأخرى
ينزع النبت الضار الظاهر بين العشب.
سمع فتح للباب الخارجي ، دخلت سيارة ، أوقفت أمام مدخل المنزل ،
خـرج السائق ، فتح الباب الخلفي ، خرجت زوجة أبنه وحفيديه ، لوح
الاكبر أبن الثالثة بيده إليه ، دفعته أمه من ظهره ليمشي وينظر
أمامه ، تبعهما السائق .. يحمل أكياس بمقاسات مختلفة وبألوان
متباينة.
تتبع ينظر حفيديه إلى ان دخلا وأغلق وراءهما الباب الخارجي لمدخل
المنزل ، نظر إلى هرته ، مسح من جديد على ظهرها ، رأى ورقة ميتة
أخرى تهوي إلى الارض ، تحفزت لها الهرة ، ركضت تنقض عليها لحظة
ملامستها العشب ، تمزقت إلى أشلاء صغيرة ، تتطاير بعضها .. أندس
بعضها الاخر بين العشب ، حينئذ عادت إليه هرته ، جلست في حضنه ، ثم
تحفزت من لورقة تتهاوى ، جرت إليها ، وحاولت مرارا وضع يديها عليها
لكنها هذه المرة لم تستطع ، أبدا .. لم تستطع.
لفت انتباهه صرير الباب الخارجي لمدخل المنزل ، رأى حفيده الأكبر
من جديد يخرج من داخل المنزل ، تلحق وراءه مربيته ، فشلت لركضه
اسرع منها بالمسك به ، أقبل اليه ، بعدت الهرة فزعة ، اختبئت خلف
الـورد ، ارتمى في حضنـه ، مسكته من كتفه الأيمن ، رفعته إليها ،
قالت .. "سوري بابا .. انا معلوم هذا ولد واجد فيه مشكل" .. واكملت
وهي تحدث الطفل ، الذي حملته على كتفها ، ومتجهة به إلى داخل
المنزل .. " انتي ملعونة ليش طلعي .. ولد مافيه يسمع كلام مال ماما
..".
نهضت هرته تدور من جديد حوله ، جلست بعد الدورة الثانية في محجره ،
داعب باصابعه الخشنة عنقها ، سمع صرير النافذه المتوسطة صـدر
المنزل في الدور الثاني يفتح ، يطل منها حفيده ، يناديه ، يلوح له
بيده ، بادله بالمثل ، سمع بعدها صوت أمه تحذره من خطورة النظر من
نافذة مفتوحة ، لوح له بيده اليمنى ان يذهب.
هوت ورقة جديدة .. تهوي هذه المرة أسرع من سابقاتها .. بفعل الهواء
الذي اشتد تياره ، تمايلت رؤوس العشب في جميع الاتجاهات أسرع من
قبل ، قامت الهرة تجرى في جميع الاتجاهات وراء حركة العشب ، كثرت
الاوراق المتساقطة ، تحـاول ان تمسكها بيديها لكنها بائت جميع
محاولاتها بالفشل ، فـُـتح الباب الصغير الخارجي للمنزل ، ظلت
تحاول الهرة المسك بالعشب لـكنها في كل مرة تفشل ، دخل أبنه يحمل
كيسين كبيرين ، رأت الهرة ورقة نظرة جديدة ، مشت إليها ، تبسم
لأبنه اثناء مشيه وهو يتجه الى باب مدخل المنزل ، رمت الهرة نفسها
على الورقة ، تتبع بنظره أبنه ، منى النفس لحظتها لو جائه وحضنه ،
جميعنا في الكبر نود ان نشعر اننا مقربين من ابنائنا .. اننا جزء
من حياتهم وليس على هامشها ، وقفت الهرة تنظر إليه وإلى أبنه ،
تنحنح ، ردد مرتين كلمته "السلام عليكم" ، تمزقت الورقة بفعل خربشة
الهرة ، أوصد أبنه الباب وراءه ، صرخ في الهره " بس عاد .." فزعت
الهرة خائفة ، هرولت تاركة الورقة ، جلست بين أغصان الورد تنظر
إليه فزعة منه ، أخذ اجزاء الورقة النضرة وهو يردد" إنا لله وإنا
إليه راجعون .." ، وضع اجزاءها في راحة كف يده اليمنى ، جمعها
الواحدة تـلو الأخرى ، وحفر بيـده الأخرى ما أستطاع من الأرض ،
ووضعها برفق في داخل الحفرة ، ثم واراها التراب بيديه.