يغرق الغرب في تحليل الأسباب التي تؤثر مؤخراً على سوق الكتاب، مثل
الأزمة الاقتصادية العالمية، سوق الكتب الإلكترونية والقرصنة على
الإنترنت، المكتبات التجارية الكبرى.. في وقت تبقى هذه المسألة
خارج اهتمامات العالم العربي.
فسوق الكتاب في وضع سيّء مهما تبدلت الأحوال الاقتصادية
والتكنولوجية والاجتماعية العالمية والمحلية. وبالكاد يؤمن
المؤلفون من المبيعات المتواضعة لكتبهم ما يسد تكاليف الطباعة
ويكفي للعيش حتى إصدار الكتاب التالي. فالمقارنة بين حالة الكتاب
العرب والأجانب تخرج بنتائج أقل ما يقال عنها أنها مفجعة, يكفي
النظر إلى ما حققته الكاتبة البريطانية صاحبة سلسلة هاري بوتر جاي
كاي رولينغ، التي أصبحت مضرب مثال في هذا الحقل. فمن حياة متواضعة،
أصبحت هذه الكاتبة بليونيرة خلال سنوات قليلة، وثروتها من حقوق
النش
والملكية الفكرية لكل ما يتعلق بهاري بوتر تزداد على مدار
الساعة، حتى وهي نائمة.
وأصبحت في المرتبة 1062 بين أغنى شخصيات
العالم. والفضل في ذلك لا يعود فقط إلى تحويل سلسلة مؤلفاتها إلى
أفلام احتلت جميعها المراتب الأولى على شباك التذاكر في صالات
السينما حول العالم، بل بيعت كتبها بمئات الملايين من الأعداد،
وترجمت إلى 67 لغة، وكان القراء ينتظرون في صفوف أمام المكتبات قبل
موعد إصدار كتب هاري بوتر الجديدة بساعات عديدة، في محاولة لحصولهم
على النسخ الأولى من الكتاب, فالكاتب بشكل عام يعيش تحت رحمة
القارئ، والقارئ الوفي هو استثناء في العالم العربي. ووفقاً
للتقرير العربي الأول للتنمية الثقافية الذي صدر في العام الماضي،
هناك كتاب يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما هناك كتاب لكل 500
إنجليزي، ما يعني أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز %4
من معدل القراءة في بريطانيا. وبحسب إحصائيات أخرى تعود أيضاً
للعام الفائت، كل 80 مواطنا عربيا يقرؤون كتاباً واحداً، في وقت أن
كل مواطن أوروبي يقرأ 35 كتاباً.
وقلة مبيعات الكتب وعدم رواجها دفع أصحاب المكتبات إلى الرفع من
أسعار بيع الكتب للتعويض عن الخسائر، وأصبح بعضهم يطلب من الكتّاب
والمؤلفين ما نسبته 40 و%50 من سعر الكتاب. وهذا الوضع ليس جديداً،
ولا يمكن إلقاء كل اللوم على القرصنة الإلكترونية أو انتشار
الإنترنت والتكنولوجيا وتأثيرهما على اهتمامات الأجيال الصاعدة،
فالوضع مأساوي في العالم العربي منذ زمن طويل، والمساعي لحماية
المؤلفين -حيث وجدت- لم تعطِ النتيجة المرجوة بعد، فلا عجب في أن
يوصف من يفلس، منذ القدم حتى اليوم، بعبارة «أصابته حرفة الأدب».
في الشكل الأول، هناك إيجابيات كثيرة، لكن من المساوئ سوء التنظيم للأسف
الشديد. أما بالنسبة للشكل الثاني، فلا تزال قضية الحماية الفكرية للكاتب
العربي بشكل عام غير محققة بالصورة المطلوبة، فهناك مثلاً جهات تقوم بطباعة كتب
ما، حتى دون الرجوع للمؤلف».
وهنا ذكر جمال فايز أنه شخصياً تفاجأ بأحد المواقع يعرض كتابه بسعر مبالغ، دون
الرجوع إليه أو الاتفاق معه. في المقابل، كما تابع فايز، «توجد في أوروبا
مؤسسات تحتضن المؤلفين وترعاهم وتعمل على تسويق نتاجهم، وهذا غير موجود في
العالم العربي بالصورة المرجوة، وحتى إذا وجد فهو يقتصر على جهود فردية لبعض
المطابع والمؤسسات لأن صاحب المطبعة في هذه الحالة يكون مؤمناً بهذا العمل».
انحدار معدل القراءة ثم هناك مسألة أخرى على مستوى القراء، فكما أكد جمال
فايز، «المواطن الأوروبي هو إنسان يقرأ، والكتاب حاضر معه في كل أوقاته، في
القطار، في الشارع العام. بل أكثر من هذا، لو كان لديه دقيقتان من وقت الفراغ،
تجده يقرأ. أما نحن في الوطن العربي، وللأسف الشديد، إن معدل القراءة ينحدر
كثيراً، وهو متواضع جداً، والإحصائيات مخجلة، لا نسبة وتناسب في القراءة بين
العرب والأوروبيين، وهذه العملية تعتبر غاية في الأهمية».
مجموعة مشاكل تواجه الكاتب العربي
إذن، كما استخلص جمال فايز، «هناك مجموعة مشاكل تواجه الكاتب العربي،
أولاً على مستوى القراءة ونسبتها المتدنية في الوطن العربي، ثانياً على مستوى
بعض المؤسسات التي تنتهك حقوق المؤلف، وتستخدم نتاجه الأدبي دون الرجوع إليه.
وأضاف: «أنا أعتقد أن الكاتب العربي، طبعاً مع بعض الاستثناءات، لا يزال
بشكل عام غير مخدوم في وطنه بصورة تسوق نتاجه إلى العالم. بمعنى آخر، الدول في
أوروبا هي حريصة في عملية ترجمة نتاج الكتاب وتسويقه، حيث تعتبر في نهاية
المطاف أنه ثروة قومية. فرنسا تنظر لموباسان على سبيل المثال على أنه هو فرنسا،
أي أنها أعطته قيمة تعادل قيمة الوطن. أما في الدول العربية، ما لم يكن حظ
الكاتب النفي أو السجن، فهو في نهاية المطاف قد لا يُخدم بطريقة جيدة، فقد
رأينا الكثير من الكتّاب ينتقلون إلى الخارج. بالتالي، هي نتيجة طبيعية أن تكون
أرقام نتاج الكاتب في الدول العربية في صورة متواضعة جداً، وأن لا يحظى المؤلف
بما هو مرجو مقارنة بما يحظى به الكُتاب في الدول الأوروبية أو الغربية. بل
أكثر من ذلك، ما نلاحظه اليوم أن الاهتمام بالجانب الرياضي طاغ على القراءة،
ورغم أننا أمة «اقرأ»، أصبحت القراءة اليوم تتراجع إلى المرتبة الثالثة أو ربما
الرابعة في سلم اهتمامات العرب».
الاكتفاء الذاتي للكاتب
وحول ما إذا كان الكاتب العربي قادرا على تأمين الاكتفاء الذاتي من بيع
كتبه، أوضح جمال فايز أن «الكتاب ممكن أن يشكل مصدر دخل جيد لصاحبه، لكن لا
يمكن الاتكاء عليه وحده. أنا شخصياً كان الكتاب بالنسبة لي مصدر دخل جيد،
بأمانة شديدة، وهذا راجع لسببين: تشجيع الدولة من خلال مؤسساتها، وكمية الطباعة
وتوزيعها في أكثر من دولة. لكن لا يمكن الاتكاء على الكتاب كمصدر دخل كما هو
الحال في أوروبا، حيث تكون الأرباح بالملايين. أنا هنا أتحدث عن بضعة آلاف، فمن
الصعب الاعتماد عليها وحدها، وإذا تحقق الاكتفاء فيكون في حالة استثنائية،
وغالباً خارج الوطن العربي».
رابطة لحماية المؤلف من القرصنة والدفاع عن حقوقه
وفيما يتعلق بوجود رابطة لحماية المؤلف من القرصنة والدفاع عن حقوقه، قال
جمال فايز: «لقد دخلنا في هذا المشروع الجديد منذ بضع سنوات، وقد وقّعت بعض
الدول العربية على اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، لكن هناك دول لم توقع بعد،
وبعضها يتم فيها طباعة أعداد هائلة من الكتب. كما أن عملية القرصنة اليوم سهلة.
وأيضاً هناك تحد جديد دخل الآن في سوق الكتاب وهو الإنترنت. فإذا كان ممكناً
التحكم بالملكية الفكرية وحقوق النشر بالنسبة للكتاب، هذا الأمر يصبح صعباً على
الإنترنت، فالكثير من الكتب أصبحت موجودة على شبكة الإنترنت، بما في ذلك الكتب
الممنوعة، ما يشكل تحدياً جديداً وحقيقياً».