|
|
|
في مجموعته
القصصية "الرقص على حافة الجرح"
جمال فايز مشغول بقارئه أكثر من نفسه
بقلم الناقد الأديب: سيد الوكيل
أول ما يلفت الانتباه في كتابات "جمال فايز" أن قصصه تبدو كرصاصات تعرف طريقها
بدقة، وتصيب هدفها بلا مراوغ. هذه المراوغة التي تكون مطلوبة أحيانا، حيث يمكنها أن
تصيب هدفاً أكثر عمقاً لو أتقن الكاتب صنعها. وهكذا.. تجده مشغولاً بقارئه أكثر من
انشغاله بنفسه، هذا القارئ الذي من المفترض أن يتلقى الرسالة، وأن يتسوعب – جيداً-
محتواها، ومن المتوقع أن تؤثر فيه فتغيره، وترشد موقفه تجاه العالم، فما زال السارد
في كتابات جمال فايز هو تلك الذات البصيرة، التي تسعى إلى التأثير في ذوات الآخرين،
انه محيط بمشكلات وهموم مجتمعه، فلا يتخلى لحظة عن موقعه وراء كاميرا تسعى لالتقاط
الصور الشائهة عن غيرها من الصور، بغية لفت الانتباه اليها، أنه موقف السارد
الحداثي والذي يختلف كلية عن موقف السارد بعد الحراثي، حيث يكون النص عنده ضرباً من
اللعب، لعب باللغة، لعب بالخيال، لعب بالعواطف والأحاسيس.
صحيح هو يهدف لإماطة اللثام عن بعض سلبيات مجتمعه، لكنه – وهذا يحمد له- لا يورط
نفسه في طرح حاول من أي نوع، كما أنه لا يبالي بحجم الاشتباك والتعقيد في الواقع،
فلا يبحث عن أسباب أو مبررات، أنه يعرض الظواهر فحسب، عرضاً فنياً وبسيطاً لا غموض
فيه ولا فجاجة، ومع ذلك فهو عرض غير محايد تماماً بل هو يوجه النص توجيها خاصة
وبدقة فائقة إلى هدفه، مما يجعل النص مكثفا، واللغة مقطرة ومصفاة بلا زيادة أو
نقصان، غير أن هذا يحرمه ويحرمنا من البراح الفني والرحابة الجمالية، فالقارئ لا
يقرأ القصص – فقط- ليعرف، أعني أن القارئ لا يتجه إلى النص الأدبي بعقله فقط، ولكن
بحواسه أيضاً.
ويمكننا أن نطلق على كتابات جمال فايز "أقاصيص" باعتبار الحجم والأسلوب معاً،
فالقصة عنده قد لا تزيد على الصفحة إلا قليلاً، أي أن زمن السرد عنده محدود، قد يصل
أحياناً إلى لحظة واحدة، سريعة وخاطفة، غير أنها مشحونة ومسنونة بما يكفي لأن تصيب
مقتلاً، ففن الأقصوصة فن صعب، يحتاج إلى وعي حاد بطبيعة القص، وامكانات القاص،
فكثير منها قد يتحول إلى نكتة، أو أمثولة، ما لم يكن الكاتب موهوباً، أو عارفاً
بحدود الفن وطبيعته.
|
الفن وطبيعته أنها لحظة واحدة وخاطفة، تلك التي تلتقي فيها عين صاحب السيارة الفارهة بكرشه
المنتفخ بعين العجوز الرثة وهي تقضم فتات اللحم النتن في حاوية القمامة. |
|
 |
ان هذه المقابلة، هي أحد أشكال البلاغة المشهدية في السرد القصصي، حيث تبدو كل صورة
نقيضاً شارحاً للأخرى، وبينهما تقوم الرسالة أنها بنية المفارقة العتيقة، والتي ما
زالت تعمل وبقوة في القصص حتى ونحن في نهاية القرن العشرين، هذه البنية التي نجدها
عند "تشيكوف" في موت موظف وعند "يوسف ادريس" في نظرة والتي استفادت من اللغة
التلغرافية السريعة والمكثفة عند "هيمنجواي" ومن اللغة الاخبارية الاعلامية على
صفحات الجرائد اليومية، لتضيف إلى فن الأقصوصة الصعب بطبيعته، مزيداً من الصعوبة،
ففي قصة "فحيح العاصفة" نجد. " لا مطر، لا برق، لا رعد، لا برد، لا بشر، هدوء تام،
مميت، ممل، لم ينقذه منه إلا المنسلون من داخل المسجد، فيشكر من يجزيه العطاء ويدعو
لمن يتحدث معه". هذه اللغة تبدو محايدة تماماً واشارية فلا تحمل أكثر من معناها،
فالمطر هو المطر، والبرق هو البرق، والملل يخبر عنه مباشرة بلفظة واحدة، بلا سعي
إلى تصويره أو وصف حالته، لكن ايقاع اللغة الثابت، وتراكمها في مفردات منفية بلا،
هو الذي يحقق احساس الملل، الذي أراد الكاتب ان يصدره في بداية العبارة، ليبدو
كالسكون الذي يسبق العاصفة، تلك التي تواجهنا في المقطع التالي وبعنف، أنها
المفارقة من جديد، تأتي مخبوءة في اللغة، وتدخر لنهاية النص، لتكون أكثر حضوراً
وقوة، وتدعونا إلى إعادة قراءة النص من جديد، لنكتشف أن وراء البساطة زخماً من
الايحاءات والدلالات فالأب العجوز المشرد الذي يعاني البريد والجوع والوهن، في
مواجهة الابن حسن المظهر، وفي لحظة حادة الايقاع، عندما يخرج الابن النقود من جيبه
ليهبها للشحاذ فإذا به الأب، هذه المفارقة تكشف عن فساد العالم من الداخل وتحلله
برغم المظهر الحسن في الخارج للابن.
في هذا النص، يحاول جمال فايز أن يقبض على جوهر العلاقات الانسانية، أنها الرحمة
التي نفتقدها مما جعل الأولاد يتلهون بركل الهر الذي يجمع صغره ويحملهم بين أسنانه
ليحميهم من البرد والمطر وعبث الأولاد، ليخرج أحد المصلين من المسجد وينهرهم "جيل
فاسد لا يرحم" هكذا أناب جمال فايز أحد المصلين ليعلمنا مباشرة بفحوى الرسالة بعد
أن أجاد توصيلها فنياً، بمشهد الهر والأولاد، ليبدو معادلاً فنياً وشارحاً يماثل
علاقة الابن حسن المظهر والأب الشريد. وإمعاناً في الدقة تشاء ارادة الكاتب ان
يجعله "هراً" وليس "هرة" على ما في الأمر من غرابة، كما أنه ليس من قبيل المصادفة
أن تجيء المقولة الجوهرية "جيل فاسد لا يرحم" على لسان أحد الخارجين من المسجد توا،
ليمثل موقفاً دينياً رافضاً لما يصيب العالم من فساد، أن هذ الموقف الرافض يتجلى في
أكثر من قصة، حيث يتخذ السارد مواقع مختلفة، لكنها تعبر عن مجموع القيم الدينية
والانسانية والاجتماعيةن في قصة "الكهل الصغير" تحقق الرفاهية والثراء مردوداً لا
إنسانياً، حيث تفتر عاطفة الأمومة، بسب وجود الخادمات والمربيات في المنازل،
وقيامهن بدور الأم، غير أنهن يبقين دائماً مجرد آلات للعمل "شغالات" لا تعرف
الرحمة، فالشغالة تدخل حجرة الطبيب بالطفل الجريح النازف، ثم تخرج لتتصل بمخدوميها
عبر الهاتف.. "ألو.. أنا سونيتا، هذا ولد أنت فيه مات، أجيب بيت ولا يودي المقبرة".
هكذا تجيء المهاتفة موجعة، أليمة كرصاصة تمزق شغاف القلب، لتكشف عما يكتنف العالم
من قصوة، وافتقاده الرحمة ولقد وفق الكاتب تماماً عندما جاء بنص المهاتفة، ولغتها
المفككة، التي تبدو هي الأخرى معادلاً لغوياً لما أصاب العلاقات الانسانية من
تفكك، واقع لا يجد الناس فيه لغة سليمة للتواصل الانساني، تتقطع فيه حتى صلات
الرحم. ان هذا التفكك الذي أصابنا جميعاً، هو ما يدعو الغريب في قصة "الركض في
الوحل" ان يعكف على التهام أحشاء الأخت، بينما كان الاخوة مفتولي الشوارب والعضلات
يحدقون صوب السهام المغروسة التي أشلائها، ويرشفون كؤوسهم الحمراء، ففضلا عن هذا
المشهد الدموي، فإن موقف التخلي يأخذ بعدا رمزيا واضحا، ولكنه أقل فنية من البعد
الرمزي في قصة "الرقص على حافة الجرح" مع أن عنوانها يذكرنا بمشهد الاخوة راشفي
الكؤوس على أشلاء الأخت غير أن هذه القصة تتجاوز الرمز المباشر لتفتح أفقاً دلالياً
أكثر اتساعاً كما لاحظ الدكتور مراد مبروك في الدراسة الملحقة بها، فقدم قراءة
جميلة لكنها لا تحرمنا من قراءة آخر ، لو سألنا أنفسنا ، لماذا تخسر جيادنا التي
راهنا عليها؟ هل هو موقف التخلي المشابه لموقف الإخوة مفتولي الشوارب؟ أم أننا قد
أرهقنا الجياد من كثرة التنافس فلم نعد نرحها كما أن موقف الجد الرافض لحضور السباق
يمكنه أن يقدم قراءة ، أو يكون مفتاحاً لقراءة أخرى على الأقل، وعموماً، فجمال فايز
يرتقي بهذه القصة درجة أعلى في فنية الأداء لفن الأقصوصة الصعب، ما يكشف عن وعيه
بطبيعة هذا الفن ، ويدل على ثراء موهبته، وتعدد امكاناته، فلا نبدو مغالين حين نقول
أن جمال فايز هو أحد أهم الأصوات الشابة والواعدة في الأقصوصة القطرية، ولكنه كاتب
مقل ربما لانشغاله بأكثر من فن أو أو نشط "صحفي –مسرحي- ثقافي" ولو أنه أعطى لفن
الأقصوصة اهتماماً أكبر، لكان له معه شأن آخر.
----------------
هامش:
-
نشرت
في جريدة "الشرق" القطرية صفحة ثقافة وأدب الاثنين 16/2/1420 هجرية الموافق
31/5/1999 صفحة رقم (25) .
|
|
|
 |
Revised:
30/05/11
:آخـر تحديث
|
|