تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
لغة حكائية رشيقة مفعمة برمزية الحياة والموت
بقلم: أكرم اليوسف
تبدو العلاقة بين الأصالة والحداثة وكأنها محور الموضوعات التي
تشغل بال القاص جمال فايز في مجموعته القصصية الثالثة والتي تحمل عنوان
"الرحيل والميلاد" والتي صدرت مؤخراً عن قسم الدراسات والبحوث بإدارة
الثقافة والفنون بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر، وقبل
الخوض في قصص جمال فايز لا بد من الانطلاق من عنوان المجموعة «الرحيل
والميلاد» والذي يشكل معادلاً رمزياً للأزمنة والأمكنة والشخصيات التي
تنبني عليها قصصه الست عشرة التي تضمها هذه المجموعة.
يظهر عنوان المجموعة حالتين متناقضتين فالرحيل هو موت الجسد وغيابه
وانتقاله من عالم الآن إلى العالم الآخر سرمدي وبشكل ما من الداخل، الأرض
البيت إلى الخارج حيث لاهوية ولا ملامح واضحة للمكان انه المكان
الميتافيزيقي المجهول انه عالم الموت الذي تنتهي فيه الكثير من قصص
المجموعة لكن الموت عند جمال فايز لا يأخذ شكلاً مباشراً بل يبقى منفتحاً
على أفق آخر لعله الولادة أو الميلاد والذي يشكل القطب الآخر من العنوان
ففي أولى قصص المجموعة «وما تبقى من شظايا المحار» يتحدث الراوي
والذي يتماهى هنا من القاص من حيث موقعه باعتباره سارداً شاهداً يتحدث عن
العلاقة ما بين رجل ما لا يحدد السارد ملامحه الداخلية بل يكتفي بوصف خارجي
له لنستدل على أنه غواص أمضى حياته في البحر باحثاً عن المحار واللؤلؤ.
يرسم جمال فايز في هذه القصة ذلك الهجوم الرهيب للآلة الحديثة
والتي تلوث بصوتها المرتفع هدوء الشاطىء انها آلات رافعة ترفع مئات الأطنان
من الأحجار الثقيلة فتحجب البحر وتجثم على رماله الذهبية وما تبقى من شظايا
محار.. وهناك على هذا الشاطىء يظل ذلك الشخص أو بقايا الإنسان كما يسميه
القاص صامتاً متأملاً كل ما يفعله هو أنه بصدد حشرجة موال يتخلله صدى طرقه
على جدار سفينته. الحداثة تلتهم الماضي والسفينة القديمة «مكبلة بالحديد»
يقول الراوي والرجل الصامت الذي يطلق حشرجة موال أو نهمة، لم يعد لديه ما
يفعله سوى أن يخوض بجسده داخل البحر.
ورويداً رويداً يختفي لكأنه أراد أن يعود إلى الرحم الأساسي الذي
لا يمكن أن يعيش من دونه إلى البحر الماء، حيث يتطهر من فساد العالم الناتج
عن اقتحام الآلة له وتفجير حياً يقول "التفت ناحية الغرب، حيث تُسير
الشاحنات بعضها وراء بعض، تصغر تختفي في قرص الشمس الأحمر القاني، وطائرة
مدينة تمر من فوق رأسي، تنفذ دخاناً أسود، يتلوى مثل الثعبان، تتجه إلى
مطار المدينة، تلج في الغيم تختفي لثوان قبل أن تظهر ثانية... مضت سنوات
والسماء حبلى بالغيم ،لكن لم يسقط مطر، نصلي صلاة الاستسقاء، ولا يسقط
المطر.. لا يسقط المطر.. نظرت ثانية إليه عدت لا أرى منه إلا رأسه يلعقه
موج البحر ويبتلعه اليم".
هكذا ينهي جمال فايز قصته فلا الموت واضح عنده ولا النهايات لأنه من الرحيل
تنبثق لحظات الولادة
ونفس الحالة تتكرر في قصة "دويبات الباب الخشبي". حيث يأتي الأولاد
إلى والدهم المتمسك بداره وفي كل مرة يدقون الباب عليه يقتحمون خلوته
يحاولون اقناعه بيع الدار وهو يبقى صامتاً لا يجيب أبداً يحبس دمعته ولا
ينبس بكلمة وتمضي السنوات ويأتي الأبناء ومعهم الأحفاد ويحاولون أن يقنعونه
بالبيع دون جدوى وتنتهي القصة ذات مرة حين يدقون عليه الأبواب يطرقونها
بعنف يحدثون فيها حفراً صغيرة كثيرة لكن الباب لم ينفتح.. ما الذي حصل هل
قرر الأب إنهاء القصة على طريقته أم أنه هذه المرة كان قد رحل عن الحياة؟
جمال فايز يتركنا حائرين آمام موت رمزي غير معلن.
ليست الحياة المعاصرة بكل قوتها هي ما يرصده القاص فحسب، بل يذهب
إلى أعمق من ذلك يرصد لنا حالة الوحدة والعزلة القاتلة ويصعد هذه العزلة
حين يختار ليلة العيد زماناً لقصته التالية "يوم العيد" فنحن أمام رجل وحيد
يعيش مع ذكرياته العيد يفجر هذه الذكريات يذهب إلى المصلى، الناس يبادلونه
التهاني يشتري الفواكه والحلويات، ووحيداً يعود إلى البيت يتملكه الحزن انه
مثل النخلة التي زرعها في داره ونسيها كلاهما وحيد النخلة وهو "رجع إلى
بيته يمتلكه الحزن، لامست أذنه جذع النخلة، ضربه بقبضة يده فاقشعر بدنه،
انتابه إحساس ضاعف من حزنه، ضربة ثانية وثالثة، صدق حـدسه في أن الجـذع
أجـوف ، وتمتـم: حسبي الله ونعم الوكيل"..".
في "الرجل الميلاد" تتخذ الطبيعة عند جمال فايز أفقاً انسانياً انه
يؤنس الطبيعة يعيد ترميزها البحر عنده إنسان و"الصقر" يمتلك الكرامة التي
تمنعه ومهما حصل معه من التنازل عن كبريائه انه متمسك بمكانه سينقض على
فرائسه ورغم أن أحدهم نتف ريشه ورغم أنه مضت مئات السنين، هزل الصقر فيها
ووهنت صحته إلا أنه بقي مكانه الطيور المهاجرة تلتقط من أرضه انه وحده الذي
يأكل من جهد عرقه.
الأرض هي الأخرى تمتلك كرامتها وتستطيع أن تثبت ذلك ولو من خلال
"زهرة" هكذا يقدم لنا القاص في قصته "زهرة" صورة حية لكبرياء الأرض التي
يرفض أحدهم أن يمنحها الخصب أن يزرعها، الأرض هنا تنتقم على طريقتها الخاصة
تنبت زهرة واحدة يفوح عطرها يخترق جدران غرفته وذلك الرجل الذي امتلك الأرض
دون عناد الرائحة، تأسر الرجل تسحره.. "سرت إشاعة أن في الزهرة مساً من جان
قال الملا: ان الجن بمقدوره أن يتلبس في هيئة زهرة أو ما شاء".
وفي قصة "الرحيل والميلاد" التي تحمل المجموعة القصصية اسمها تجري
الحكاية في مقبرة في لحظة دفن الجثمان رجل عجوز يرى كيف يهال التراب على
جثمان صديقه يتذكر أيامه معه في البحر هذا الصديق كان جشعاً سارقاً بخيلاً
وهو الآن لا يساوي شيئاً وفي لحظة الموت يقدم لنا القاص الصورة الأخرى
للميلاد من خلال عش عصافير أم تحاول إطعام أبنائها تحميهم بكل حب وفي
المقابل يرصد جمال فايز صورة أبناء الميت وهم يتقاتلون فوق قبر والدهم الذي
ووري للتو... هل يتشاجرون من أجل الميراث أم من أجل شيء آخر لا يظهر لنا
القاص أي شيء المهم قوله بالنسبة له ان الحياة هكذا رحيل وميلاد ولربما
كانت الكائنات الأخرى أشد رحمة بنفسها وبغيرها من الإنسان.
يقدم جمال فايز في قصصه عالماً متكاملاً يرسمه وكأننا أمام كاميرا
يعني حتى بأدق تفاصيل الصورة وبلغة سردية رشيقة وجميلة وغنية بالرموز
تأخذنا مجموعة "الرحيل والميلاد" إلى عمق فلسفة الحياة.
هذه الفلسفة المتجسدة في صورة صقر أو حمامة أو عصفور أو حتي صوت هدير
البحر.