7-3-2008
|
النوستالجيا والتعبير الدلالي في قصص الرقص علي حافة الجرح دراسة جمالية لإبداعات جمال فايز
بقلم: هويدا صالح... حالات من التعبير الدلالي المكثف تتجلي في قصص: الرقص علي حافة الجرح حيث يبدأ مبدعها القاص جمال فايز بمقطع أولي إيمائي يصور فيه غيمة كبيرة تهبط علي المدينة - تحجب عن أهلها أشعة الشمس، وماؤها لا يكف عن الهطول.. ساعتها سينبت العشب.. ويستشري الخير، ولكن من عجب خصبه ونمائه يحيل المدينة البسيطة بدفئها الانساني الي قصور إسمنتية ورغم أنها تبهر الألباب والعقول إلا أنها تظل إسمنتية تخلو من الإنسانية.. هكذا يسرب لنا الكاتب في نصه إشارات وعلامات يمكن فك شفرتها وتأويلها.. وإعادة قراءتها.
يعني الكاتب في قصصه بالإنسان.. ويتعاطف معه.. ويصور لنا حطام المسافات البعيدة.. فها هو الهيكل الآدمي الذي يخرج من المسجد محني الظهر متوكئا علي عصاه يظل محافظاًَ علي وصية قطعها لوالده منذ صغره بالمحافظة علي الصلاة.. وفي الطريق يتذكر والده.. ويأخذه الحنين اليه.. ولا يفيق من حنينه إلا بمروق سيارة في الطريق.. إذن هو الحنين للماضي.. الحنين لقيم مفتقدة.. الحنين لمجتمع يحفل بالفطرة والجمال الطبيعي.. ويكره القصور الإسمنتية، فالقصص تطالعنا كلوحات تعبيرية تصور وتعبر عن البعد الاجتماعي الذي يربط المكان بإنسانه. حالات من الحنيني والتعاطف الانساني نجدها في قصة: فحيح العاصفة عجوز يجلس أمام المسجد.. يأنس بالصغار الذين يلهون ويتقافزون حوله.. يألم حين يضربون القطط الصغيرة ويدوسون علي قدميه.. ومع ذلك يداري ألمه.. وتمر السنون.. ولا مطر هناك ولا عاصفة.. ولا صغار يفرحون ويلهون.. فقط صمت وسكون.. والطفل الذي كان صغيراً صار شاباً حسن المظهر.. ويتذكر الرجل الذي نهره يوماًِ لضربه للقطيطات الصغيرة.. يلقي اليه بالنقود.. وتلتقي العيون، فيأخذ نقوده من علي الأرض ويلقي بها في وجهه.. إذن هو غوص ذو دلالة في بنية مجتمع تتباعد المسافة فيه بين الناس.. يفضح هذا التباين الشاسع بين شرائح المجتمع.. وكأنها دراسة سيسيولوجية واعية.. ينتصر فيها للفقراء والمعدمين.. فالعجوز المتخذة من حاوية القمامة سكنا لها.. ابتسامتها تشرق من وحل الحزن، والغني الذي يلقي بالقمامة في الحاوية ابتسامته غارقة في مستنقع الشجن مفارقة تدعو للتأمل في قصص هذه المجموعة المكثفة.. التي تروي بضمير الغائب أحياناً وضمير المتكلم أحيانا أخري. كما يميل الكاتب في مجموعته الي التجريدية ومفارقة الواقع، ويحمل نصوصه القصيرة الكثير من الدلالات الرمزية، ففي قصة الشرنقة ، فلو أننا فككنا لا وعي النص القصير لوجدنا الكاتب يصور ربما واقع المرأة الشرقية التي تتدثر بملابسها، وتختفي عن العيون.. ولكن المحاولات المتلاحقة تحاول أن تخرجها من تدثرها وخبائها.. فإذا هي تخرج علينا عارية مستجيبة لمحاولاتهم يقول: جميعهم ثيابهم شبه عارية، ماعدا سيدة غلف جسدها برداء أسود لا يظهر منها غير عينيها.. طلبت المذيعة الداخلية من المسافرين ارتداء الملابس.. فعل جميع المسافرين ما عدا هذه السيدة، وحدها خرجت من جوف الطائرة شبه عارية ، يستمر الكاتب في سردياته القصيرة التي يحملها الدلالات الرمزية، فيصور لنا المرأة التي هي معادل للوطن والأرض، وقد نهبها الغرباء.. واغتصبوها، فيصور لنا امرأة محصنة تزود عنها سوف الأخوة.. يتمناها الجميع ولا يجرؤ أحد علي الاقتراب منها خوفا من سيوفهم المشهرة في الوجوه.. ولكن بعد حين تحدث المفارقة والمفاجأة.. فيري الجمع المرأة المحصنة الحرة وقد اغتصبها الغريب بينما الأخوة يحدقون في السهام المغروسة فيها ويرشفون كؤوسهم الحمراء.. وكأن هذه المرأة المستباحة هي العراق أو فلسطين أو لبنان.. وكأن الأخوة هم العرب الذين يتبادلون الأنخاب علي أشلاء أرضهم وعرضهم.. يقول في قصة الركض في الوحل : وجدتها ترقد في بركة من الدماء، والغريب لايزال يلتهم أحشاءها، وبينما كنا ننظر مشدوهين غير مصدقين ما يحدث لها، كان الأخوة يحدقون صوب السهام المغروسة في أشلائها ويرشفون كؤوسهم الحمراء . رغم هذه المشاهد الرمزية، إلا أن الكاتب لا يتركنا نغرق فيها، بل يعيدنا بضربة قلم الي الواقع في حس ساخر وموجع في الوقت ذاته، ففي قصة المكافأة نجد الموظف المثالي رغم فرح المدير به، وتقريبه من ينهي خدمته بشكل غير مبرر.. فقط لأنه لم يكن ظلا ربما للمدير، أو لأنه لم يضحك علي نكاته وقفشاته، ينال مكافأة الأفكار القيمة التي عرضها لتطوير الشركة بإقالة غادرة من وظيفته. واستمراراً للخيط الواقعي الاجتماعي في المجموعة، نجده في قصة: يوم الحصاد يصور لنا في لغة مشهدية رجلا يتنكر لأصله ولأمه التي ربته من عرقها وكدها.. وفي النهاية يسقط من المرض ربما.. أو الإعياء والصدمة ربما.. فقط ترميه أمه بلعناتها بعد أن كانت تنظر يوم الحصاد.. ويوم المكافأة علي التعب من أجله يقول: أمامه العين بالعين. اشتعل أنينها، عصفت رياحه بالمكان. بالحاضرين. اقتلعت جذور حبات عرقها. صفعت بوجه كفها صدرها. زجت يدها اليمني بأسفل ثديها الأيسر. أخرجت صرة نقود في حجم الفؤاد.. حلت عقدة الرباط. رجمته في وجهه. وابتعدت عنه يسبقها ظلها ، وفي قصة إظلام يسير في نفس الخط الواقعي الاجتماعي، فيصور لنا حال الأسرة حينما يهجرها الأب، وحال الأم حينما يقسو الأبناء.. ويغلب علي هذا النص القصير لغة الحوار، تلك اللغة التي حولته الي ما يشبه المقطع المسرحي. ولا يعني الكاتب في قصصه الاجتماعية بحال الإنسان فقط، بل ينزع أيضا الي تصوير حال الحيوانات والفراشات، فنجده يصور كلباً جائعاً يسعي الي صناديق القمامة ليبحث عن طعام لجرائه.. وحينما يجد.. لا تمهله السيارات المسرعة حتي يصل الي الجراء الصغيرة الجائعة. تغلب علي هذه المجموعة ذات السرديات القصيرة.. الروح الإنسانية وذلك التعاطف مع الكائنات جميعها. ثم يعود الكاتب للرمزية في قصة: فئران وحجارة يصور الوضع الفلسطيني البائس.. ويرمز بالحجارة الي أطفال فلسطين الذي يقدمون حياتهم ثمناً لهذا الوطن.. ولإسرائيل بالفئران التي تقرض أرض هذا الوطن شبرا شبرا يقول: صمت.. في ظل الصمت صمت.. الدقائق تمر عليه بتؤدة والأطفال لا ثائرين علي الوشاح الأسود.. الوشاح الأسود يتهادي. إنه ينهار.. والأطفال لا يزالون يمرون من جانبه. ولا يسمع منهم إلا فرقعة طبول الحجارة. الحجارة في أيديهم. في قمصانهم، في دمائهم. إنهم مثل خيوط الفجر، يخلقون حياة جديدة، وهم لايزالون حتي الآن يرجمون الفئران بالحجر. وكأنها نبوءة بانتصار أطفال ضعاف صغار علي فئران توحشت وباتت تقرض كل شيء.
|
![]()
للتــواصـل
|
|