المــؤلـف
 اراء النقاد
قصص جديدة
مسرحـيات
مـقــالات
لـقــاءات
من الأرشيف
سجل الضيوف

البريد الإلكتروني

mail5b7.gif (4196 bytes)


عـدد زوّار الموقع


تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد بعد توقف القديم فـي تـاريـخ

7-3-2008






قــراءات

تعـريفـات

صـحـف

مواقع أدبية

المترجــم


 

 

الكهل الصغير
حطام المسافات البعيدة
فحيح العاصفة
العابرون إلى الداخل
تابوت من لحـم
الرقص على حافة الجرح
الشــرنقـة
الركض في الوحل
المـكافـأة
يـوم الحصاد
إظــــلام
في عـرض الشـارع
تـوحــد
فئران و حجارة
وما تبقى من شظايا المحار
دويبات الباب الخشبي
يـوم العيد
بشر من الأكفان
قرابين مياه البحر
الصـقــر
وباء الفـؤاد
الحمائـم البيـض
زهــــــرة
ضجيج الصمت
أرواح البيوت
قطعة سـُـكر
تحـت ظل النخيل
الرحيل و الميلاد
جذور الكرسي المتحرك
آخر البشر من لحم ودم
ليلة الكرنكعوه
عندما يبتسم الحزن
حصاد السنوات العجاف
أنين دموع نضرة
السير على المنحدر
الـعـــائـد
أكثر من الظـل
انفلونزا الطيور
تمثالنـا البشـري
أطول من قامة البشر
الأقحوانة البيضاء
إنبـلاج الليـل

جـــمـال فـــايــــز

قصصه القصيرة تبدو قريبة من الشعر الجميل ، بما يتجلى فيها من تركيز آسر ومن تكثيف ساحر  ..  الشاعر: حسن توفيق * *  تركيبة فطرية لا تصلح للتجارة ولا للسياسة ولا للجندية ، وكأنها خلقت لأن تكتب فقط .. الشاعر والكاتب والمخرج المسرحي امام مصطفى * * قاص جميل، يمتلك روح فنان حقيقي، يختزل الكون داخله  ..  عبدالرحيم كمال صحفي بجريدة الراية القطرية  * * أن  نظرتي للكثير من الأشياء تغيرت خلال دراستي وبحثي في أعمال جمال فايز  .. من رسالة الماجستير: للباحثة الأوكرانية لودميلا سافارا جالي * * ان جاز لي الحكم فان تجارب جمال فايز القصصية تأخذ منحى الريادة الفنية والابداعية .. الشاعر والصحفي  علي الستراوي  * *  كاتب يتأهب لكي يضيف للقصة القصيرة في بلاده بعدا ورائحة جديدين وحقيقيين، وجميلين  ..  الناقد يوسف شعبان  * *  أنّ ذاكرة لغة الواقع في قصّة جمال فايز قد حافظت على الملامح الشعبيّة للمجتمع   ..  خالد زغريت  * *  صوتا متميزا، ليس في التجربة القصصية القطرية وحدها ، وإنما في المنجز القصصي العربي المعاصر  .. الناقد صالح هويدي  * *  صاحب إبداع متميز قادر على الاضافة  ..  الشاعرة عزة رشاد  * *  آثر ان يتطارح في قصصه الناس الهامشيين الطيبين الوادعين المستسلمين للحياة. كما هي والذين عاصروا مرحلتين مرحلة الطبيعة والغوص ومرحلة النفط والتحول .. الناقد زهير غانم  * *  ان التقنية التي اتبعها جمال فايز في قصصه القصيرة تواكب ما تتجه اليه التقنيات المعاصرة في كتابة القصة العالمية  .. الناقد الدكتور مراد عبدالرحمن مبروك  * *  كتب القصة فأبدع في روايتها .. الناقد حسن حسين  * *  يخطو الأديب المتميز جمال فايز في ميدان القصة القصيرة بخطوات واسعة واثقه   ..  سعادة المستشار الشاعر حسين نجم  * *  يقدم جمال فايز في قصصه عالما متكاملا يرسمه وكأننا أمام كاميرا يعنى حتى بأدق تفاصيل الصورة وبلغة سردية رشيقة وجميلة ورشيقة وغنية بالرموز .. الناقد المسرحي أكرم اليوسف * *  تملك القاص الكثير من أدوات القص المعاصر وتقنياته وإنجازاته الحداثية، التي يبدو من خلالها صوتاً قصصياً مغايراً للسائد من الأصوات الأخرى التي تصوغ راهن التجربة القصصية في قطر . الأديب الدكتور نضال الصالح **

 رسـالة الماجستيـر للباحثة الأوكرانية

لودميلا سافارا جـالي

 

 

 

جمال فايز يرثي خراب الروح في الرقص علي حافة الجرح

قصصه نابعة من مجتمعه القطري بعمق وصدق

بقلم: د. نضال الصالح...*

   ينتمي جمال فايز (قطر) إلي جيل الثمانينيات الذي نهض بدور مهمّ في تفعيل المشهد القصصي في قطر، بعد أن ظل ذلك المشهد يعاني، لفترة طويلة نسبياً، نوعاً من العطالة المفارقة لتجارب القصّ في أقطار الخليج العربي الأخري، وهو أحد أبرز الأصوات التي تصوغ راهن التجربة القصصية القطرية، أمثال: شمة الكواري، ومحسن الهاجري، وناصر الهلابي.

   وعلي الرغم من أن مجموعته البكر: سارة والجراد (1989) عبّرت عن تعثر واضح في وعيه بخصائص الجنس القصصي وتقنياته، فإنّه سرعان ما تحرر من ذلك في مجموعته الثانية: الرقص علي حافة الجرح التي تبدو علي قطيعه واضحة مع ما اتسمت به مجموعة سارة والجراد .

 

   تضم مجموعة: الرقص علي حافة الجرح ثلاث عشرة قصة قصيرة، يتصدرها تقديم موجز للباحث القطري الدكتور محمد عبد الرحيم كافود، يستبصر بكفاءة واضحة ما تتسم به نصوص المجموعة من خصائص فنّية، تجعل بعضها، كما رأي الباحث قصصاً بحق، وبعضها الآخر لا ينطبق عليه مفهوم القصة، وإنما هو أقرب ما يكون إلي الخاطرة، أو اللقطات السريعة.. وتنتهي بدراسة للدكتور مراد عبد الرحمن مبروك (الأستاذ المساعد بجامعتي القاهرة وقطر) بعنوان: آليات التشكيل السردي في القصة القصيرة المعاصرة في التسعينيات: الرقص علي حافة الجرح نموذجاً تتسم بكونها فعالية إحصائية أكثر منها مقاربة نقدية، وبامتلائها بغير إشارة إلي تطبيق آليّ لأدوات المنهج البنيوي وإجراءاته، واستثمار قلق لبعض مصطلحاته، وقبل ذلك كلّه بكونها سابقة علي النصوص، أي وفق رؤي نقدية ناجزة تصطفي من النص ما يتسق وأغراضها.

   ترثي النصوص جميعاً الخراب الروحي الذي لحق بالمجتمع في المرحلة التالية لاكتشاف النفط، ويجهر ذلك الرثاء بنفسه منذ القصة الأولي الكهل الصغير التي تعبر عن ذلك الخراب برمز شافّ يكني عنه، ولا يقوله علي نحو مباشر، فالغيمة الكبيرة التي علت سماء المدينة ليست سوي تلك التغيرات الاقتصادية الطائشة التي أنتجتها العائدات النفطية، والتي أنتجت بدورها مجتمعاً مترفاً بالمعني المادي، ناحلاً بالمعني القيمي لما يضبط علاقات أجياله بعضها ببعض، ف حجبت بذلك أشعة الشمس التي كانت تنتشر الضوء في نفوس الناس وبينهم، ولذلك لم يكن غريباً أن يقطب الفتي لاستئذان آخر في دخول كهل قبله إلي الطبيب: تقدم.. شاب في عقده الثاني، غير أن الرجل استأذنه في دخول الكهل، وردّ الفتي مقطب الجبين: هذا دوري، وأجابه الرجل باسماً: أعرف، لكن كبر السن يا بني لا يرحم، وقاطعه الكهل هامساً: دعه يدخل.. تفضل.. إيه، جيل قلبه من حجر ، ولم يكن غريباً أيضاً أن تهتف الخادمة من المستوصف بعد أن فارق الطفل الحياة قائلة لأسرته بلغتها العرجاء: هذا ولد أنت فيه مات، أجيب بيت ولا يودي المقبرة ؟ ولم تكن الأسرة تعرف عنه شيئاً.

   وعبر قصّ لمّاح ترصد قصة حطام المسافات البعيدة المفارقة بين جيلين، بل بين متضادين من القيم، يتمثل الأول في شخصية العجوز الأعمي الذي عاصر مع أبيه وطأة الظروف التي كان الخليجيون يعانونها في المرحلة السابقة لاكتشاف النفط، أي عملهم في حرفه الغوص، وما كانت تفيض به تلك المرحلة من قيم إنسانية معبرة عن المعني الحق للحياة، ويتجلي الثاني في شخصية ابن العجوز الذي ولد في المرحلة التالية لاكتشاف النفط فعاش حياة الهناءة، والدعة، التي تبدو بمنأي عن تلك القيم تماماً، إذ بينما كان العجوز مستغرقاً في تذكر ما قارعه من أهوال البحر وجبروته حين كان يعمل تباباً مع أبيه علي ظهر سفينة للغوص علي اللؤلؤ كان ابنه الشاب يثير بحركات سيارته البهلوانية الغبار خلفه، وحين أوقف السيارة ترجّل منها يحييه بصوت عال: هاي بابا، ودخل المنزل موصداً الباب خلفه .

   وتهجو قصة فحيح العاصفة ما ينتجه الوعي الناقص لدي بعض النساء في معاملتهن لابنهن الوحيد من آثار تنتهي إلي ما انتهي إليه بطل القصة، أي إلي التسول واجتراء الأطفال عليه، ثم ارتطامه بأبيه الذي أراد أن يصنع منه رجلاً بينما كانت أمه تقاوم ذلك بدعوي: مالنا غيره صغير وما يفهم ، والذي وجده، ذات يوم، مقعياً أمام باب مسجد يشكر من يجزل العطاء له، ويدعو لمن يتحدث معه: وقف أمامه يخرج نقوداً من جيبه، وفي اللحظة التي قدمها إليه تلاقت عيناهما في اللحظة ذاتها. تسمّر الفتي في مكانه، تحجرت أنفاسه، أما هو فلم يبادله الإحساس ذاته، أخذ نقوده من الأرض وقذفها في وجه وحيده .

   ولئن كانت المرحلة التالية لاكتشاف النفط قد أنتجت مجتمعاً معافي من الناحية الاقتصادية، فإن تلك العافية لم تبسط ظلالها الدافئة كما يبدو علي طبقات المجتمع كلها، إذ ظلت ثمة طبقات تعاني العوز، والفقر، والحاجة، إلي الحد الذي كان يدفع ببعض أبنائها إلي حاويات القمامة بحثاً عن بقايا الطعام، الأمر الذي ترصده قصة تابوت من لحم مصورة من خلال اقتصاد حدثي المفارقة بين طبقتين اجتماعيتين، تتمثل الأولي في شخصية صاحب السيارة الفارهة، وتتجلي الثانية في شخصية العجوز التي ظلت تواصل بحثها عن بقايا طعام في أحشاء أكياس القمامة .

   وإذا كانت النصوص السابقة قد استخدمت الرمز علي نحو غير مضمر كثيراً، فإن الرمز الذي تقدمه القصة التي تحمل المجموعة عنوانها: الرقص علي حافة الجرح يستلزم غير قراءة للنص لتحديد الكنائي في الألوان الثلاثة التي تنهض بها وعليها محكيّ النص: الأزرق، والأحمر، والأصفر، والأخضر. ولعلها أي الألوان رموز لقوي مختلفة يحاول كل منها تصدر واجهة الفعل في مفاصل الحياة كافة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويشي بذلك ما يمثله انتماء الجد إلي اللون الأخضر الذي رفض مشاركة حفيده في سباق الخيول، بوصفه تمثيلاً لقيم وأعراف وتقاليد قديمة، وغير مؤهلة لتحقيق شيء في خضم الراهن: أعلن عن تنظيم سباق كبير للخيول.. خرجت إلي غرفة جدي لأصحبه معي، لكني وجدته كما تركته .. تغوص أنامله في أعماق لحيته البيضاء، يحدق في رايته الخضراء.. همست باسماً: جدي، سوف نتأخر. قلت لن أذهب.

  في ميدان السباق.. وضع علي ظهور الخيول قطع قماش بعضها لونه أحمر، وآخر أصفر، وثالث أخضر، ورابع أزرق.. تخطت خط النهاية الفرس ذات اللون الأزرق، تتبعها مباشرة ذات اللون الأحمر، بينما لاحت في الأفق ذات اللون الأصفر .

   وكما تهجو قصة فحيح العاصفة ما ينتجه الوعي الناقص من آثار مدمرة في التربية، تهجو قصة الشرنقة الوعي نفسه، وما ينتجه من تضاد بين الحقيقة والزيف. فبينما كان ركاب الطائرة يتخففون من ثيابهم، داخلها، كان ثمة امرأة تتشبث بردائها الأسود الذي لا يظهر منه سوي عينيها، وتواجه محاولات التودد التي كان يبديها بعضهم بالصدود، لكنها سرعان ما تخلع، ليس رداءها الأسود فحسب، بل أكثر ثيابها، لتغادر شبه عارية عندما تحط الطائرة في مطار أجنبي.

   إن هجاء الأعراف الاجتماعية الرثة يبدو الهاجس الذي يشد نصوص المجموعة بعضها إلي بعض، ويؤكد ذلك ما ترصده قصة الركض في الوحل التي تقدم نقداً آخر لما يتردد في المجتمعات المغلولة إلي الوعي الذكوري من قيم السلب والانتهاك للمرأة، ولحقّها في ممارسة وجودها علي النحو اللائق بالإنساني فيها. ففي تلك القصة تلقي الفتاة التي أحبت مصيراً فاجعاً علي أيدي أخوتها المفتولي الشوارب والعضلات، وكأنهم قد أزاحوا بدمها عن كواهلهم لعنة ثقيلة: وجدتها ترقد في بركة من الدماء.. وبينما كنا ننظر مشدوهين كان الأخوة يحدقون صوب السهام المغروسة في أشلائها ويرشفون كؤوسهم الحمراء .

   ولئن كانت النصوص السابقة قد عنيت بما يمارسه الوعي الناقص من ردود أفعال جائرة حيال القيم الإنسانية بمعناها الاجتماعي، فإن قصة المكافأة تعني بما ينتجه ذلك الوعي حيال الابتكار، والإبداع، والإخلاص في العمل. إذ ما إن استقر المقام بالمدير الجديد الذي أثني علي الموظف المثالي في المؤسسة في بداية تسلمه لمهام عمله، حتي دفع بورقة إلي هذا الموظف مكتوب عليها: شكراً علي الخدمة .

  وعلي الرغم من أن محكيّ قصة إظلام يبدو مغايراً لمثيله في قصة يوم الحصاد ، فإن القصتين كلتيهما تهجسان بمؤرّق اجتماعي واحد، هو عقوق الأبناء. ففي قصة يوم الحصاد التي ترصد تحولاً آخر من تحولات المجتمع القطري في المرحلة التالية لاكتشاف النفط التي عصفت بالكثير من القيم الإنسانية، يلتقط القاص موقفاً مأساوياً مدججاً بالمرارة في حياة أم كانت تخرج من حجرتها ظهيرة ومساء، تعمل في الصباح (فرّاشة)، وفي المساء تخيط ملابس النساء، وكلما قبضت شيئاً كانت تدس نصفه في جيب ابنها، معللة نفسها بتحقيق حلمها ووصية أبيه بأن يشب عن الطوق فيدفع عنها بعض ما كابداه من شقاء، لكنها بدلاً من أن تجني ثمار سهرها، وتعبها، كان الحصاد خواء، إذ ما إن شبّ الابن عن الطوق واكتمل شبابه حتي غادرها مسافراً، تاركاً إياها نهباً للوحدة والعزلة، وذات مصادفة التقته في مجمع تجاري بعد طول غياب وإنكار، فسقطت مضرجة بحزنها، لكنها لم تنس حين صحت من المفاجأة أن أخرجت صرة نقود في حجم الفؤاد، حلت عقدة الرباط، أعطته إياها، وابتعدت عنه يسبقها ظلها .

   وكذا تفعل قصة إظلام التي تحكي نهاية أم عجوز وحيدة في المستشفي، بعد أن تقاذفها أبناؤها محاولاً كل منهم إلقاء مهمة إيوائها إلي الآخر: ليلي: أمنا في حالة يرثي لها. سالم: وماذا عسانا أن نفعل؟ ليلي: يأخذها أحدن. سالم: أحمد هو الأكبر. أحمد: لا ، لا، أنا لا أقدر. أعني. بل أقصد.. سالم: أتمني، والله أتمني، لكن زوجتي لن تقبل .

   وعلي نحو رمزي ودال ترصد قصة في عرض الشارع ما يترصد المرء من نهايات قاتلة وهو يلوب بحثاً عن لقمة العيش: كلب عليل، أشعث، اقترب من حاوية القمامة.. أخرج لسانه، سال منه اللعاب مختلطاً بحبات الثري. أطبق علي العظم بأنيابه.. واصل يقطع عرض الشارع، لكنه إلي جرائه لم يصل .

   وتعلي قصة توحّد من شأن الإنساني في الإنسان، الإنساني الذي لا يلقي بالاً لتمايز في العرق، أو اللون، أو الهوية، والذي لا تلبث أن تحاصره ثرثرات الآخرين فتنتهي به إلي العدم، وإلي ما يطاول الجدران بين تلك المرأة الشقراء والرجل الأسمر اللذين وحّدهما الحب للحظات: توقفت الطائرة. فتحت الأبواب. خرجت شقراء بدينة من بوابة الدرجة الأولي، وخرج أسمر نحيف من بوابة الدرجة الثانية. علي إحدي درجات السلم، ومن غير قصد ولا موعد تلاقت النظرات، تعانقت.. تذكرنا البدء يوم أن كان الإنسان للإنسان، ووشاح من ضوء أبيض يغلف جسدينا، تهبه لنا الشمس في سخاء تام، منذ أن خلقنا وهي تمنحه لنا علي حد سواء. وفي اللحظة ذاتها، كثر عدد الذين من خلفنا، اخترقت أصواتهم جدار اللحظة، فمضي كل منا في طريقه .

   إذا كانت النصوص السابقة للكاتب القاص جمال فايز قد التفتت إلي ما هو اجتماعي، فإن القصة الأخيرة من قصص مجموعة فئران وحجارة تعني بما هو قومي، وهي القصة الوحيدة التي تفعل ذلك من بين مجمل النتاج القصصي القطري منذ بواكيره الأولي في مطلع الستينيات.

   تمجد القصّة انتفاضة الحجارة في فلسطين، وتهجو في الوقت نفسه ما أنتجته مقولة "الصبر" التي آلت بالقضية إلي تكاثر "الفئران" علي نحو يهدد بفناء أصحاب الأرض، و" قرض" هويتهم ووجودهم: "الصبر لا يطرد الفئران، لا يطردها"(ص: 79).

   في نصوص المجموعة غير قرينة دالة علي تطور أدوات القاص، ومغايرتها لما اتسمت به هذه الأدوات في مجموعته الأولي "سارة والجراد"، منها: اتساع مدار الرؤيا التي تستبصر الواقع وتغوص علي العمق فيه من دون مباشرة، أو افتعال، أو خطابية، وعبر صياغات جمالية تجعل من المتلقي منتجاً ثانياً للنص، أو تجعل القراءة كتابة ثانية تقيم "علاقة تفاعل وتحول، ومنافسة واشتراك، واتفاق وتضاد بين القارئ والنص. ومنها أيضاً ما توفره النصوص لنفسها من استعارات نصية تكنّي عن الواقع، ولا تقوله، وتشير إليه، ولا تجهر به، الأمر الذي يعلل حضور الرمز في تضاعيف القص بوصفه حاملاً فنياً لما يثيره الواقع من مفارقات.

   والنصوص عامة تهجس بالجوهري من الواقع أو الأكثر حرارة فيه، وإلي حدّ يبدو القاص معه أشبه ما يكون بباحث اجتماعي تتقري عيناه ما ينزه الواقع حوله من قروح، وما يتفصد عن الجسد الاجتماعي من مباءات، حتي لكأنما ثمة عدسة تصوير ترافقه، فما إن تحط عيناه علي مشهد إنساني مثير، حتي تسارع تلك العدسة إلي اختزانه في الذاكرة، ثم تحوله إلي نص إبداعي موار بالحرارة والقسوة بآن.

   والأغلب الأعمّ من النصوص ينتمي إلي ما يصطلح عليه بالقصة القصيرة جداً، فالكثير منها لا يجاوز نصف صفحة من القطع المتوسط، وبعضها لا يتجاوز عدد مفرداته المئة، وهي في الحالات جميعاً تحقق انتماءها إلي ذلك الشكل من أشكال التعبير، أي القصة القصيرة جداً، بامتياز واضح، ليس بسبب اقتصادها اللغوي والحدثي فحسب، بل بسبب تمكّن القاصّ أيضاً من صياغة موادها الحكائية الخام علي نحو شديد الاختزال، والإيحاء، والممتلئ بالرموز ذات الحمولات الدلالية العالية، والتي تثمّر فعالية التأويل وتخصب تعددية القراءات، وتحقق ما يقوله "بارت" عن الدور الذي يؤديه الرمز في العمل الأدبي، أي ما يتيحه من تعدد المعاني.

   وغالباً ما يلجأ القاص إلي تقنية "الاسترجاع" (Retrospections) التي تنتج مفارقات سردية (Narratives Anachroniques) ذات سعات (Amplitudes) طويلة غالباً بسبب طبيعة الأداء القصصي الذي يحدد تقنيات القص في معظم نصوص المجموعة، أي القصة القصيرة جداً، وغالباً أيضاً ما تتكئ تلك الاسترجاعات إلي الفعل "تذكّر"، كما في قصة "حطام المسافات البعيدة": "وتبسم لما تذكر ما كان يسمعه من البحارة عن والده"(ص: 21)، أو مشتقاته، كما في قصة "فحيح العاصفة": "يسترق النظر إلي السماء والسمع لأزيز العاصفة، فتحيي في مخيلته ذكريات صباه واللعب تحت المطر مع رفاقه الصغار، ووالده الذي رآه ذات مرة فزمجر وتوعده بالضرب، فهرب خائفاً إلي المنزل واحتمي بوالدته"(ص: 27).

   وترتهن ضمائر الخطاب القصصي، أو رؤي القص، في معظم النصوص، إلي ما يُصطلح عليه بالقص الموضوعي- (Obejctif)، أي القص الذي ينتجه رواة خارجون عن نطاق الحكي، وغالباً ما يكون هؤلاء الرواة شخوصاً شاهدة علي الحكي، وليست ممثلة فيه، الأمر الذي يبدو معللاً جمالياً داخل النصوص، حيث يتسق "التبئير" (Focalisation)، هنا ومفهوم -الرؤية مع- (Vision Avec)، التي يكون الراوي فيها مساوياً للشخصية الحكائية، لا يعرف أكثر مما تعرفه، ولا يقدم تفسيرات أو تأويلات لما يقص، مستبدلاً بذلك جملاً سردية قصيرة، ومكثفة، وتختزل النص إلي بؤرة التوتر فيه تماماً.

   ولعلّ أهمّ ما يميز لغة السرد في المجموعة هو تكثيف القاصّ لها في جمل لا تتجاوز في كثير من الأحيان المفردتين فحسب: توقف فجأة، ارتعد جسده، همست في أذنه زوجته، لم يرد، حاولت سحبه، لم يتحرك. أمسكت ساعده، تحجر في مكانه. تركته جزعة. صرخت مستغيثة. توجه إليها الموجودون، تجمهروا حوله"(ص: 55). وهي، عامة، لغة إبلاغية لا تناوئ نفسها، ولا "تقوم بوظيفة الاختيار، والتحويل والتصحيح، وإعادة كتابة النصوص".

   وبهذا المعني، فإن ما هو كنائي في المجموعة تنتجه بنية القص لا لغة السرد القصصي. ومن اللافت للنظر إيثار القاصّ لمفردة شديدة الحضور في غير موقع، لكنها تستهلك نفسها بسبب حضورها في أكثر من نص، وبسبب ما تثيره من نشاز في إيقاع الجملة العصبية: ذكره لأبيه (قياً) الدمع من عينيه (23)، (تقيأ) الدمع، امتزج مع دمه (55)، يهرع إلي غرفته، (يتقيأ) أنينه (61).

   وبسبب من طبيعة الجنس الأدبي الذي يصوغ نصوص هذه المجموعة، أي جنس القصة القصيرة جداً، فإن الحوارات بين الشخوص تبدو ضامرة كثيرة، وفصيحة، في أغلبها الأعم باستثناء ما تقدمه قصة " الكهل الصغير " من رطانة في لغة الخادمة، وبعامة، فإن لغة الحوار لا تشير إلي انتماء الشخوص إلي بيئة بعينها، ولا تحدد وظائفها الاجتماعية أو سوياتها الثقافية ومخزونها المعرفي، وتطابق في الوقت نفسه لغة السرد الفصيحة ولا تتميز منها.

   غير أن ذلك كله لا ينتقص شيئاً من تملك القاص الكثير من أدوات القص المعاصر وتقنياته وإنجازاته الحداثية، التي يبدو من خلالها صوتاً قصصياً مغايراً للسائد من الأصوات الأخري التي تصوغ راهن التجربة القصصية في قطر 

-------------

 * مدرس النقد الأدبي الحديث في كلية الآداب بجامعة حلب - سوريا

www.nidalsaLeh.com

warning.gif (4929 bytes)                         

للتــواصـل                    

jamalfayezstories@hotmail.com                

     Revised: 21/06/08       :آخـر تحديث