7-3-2008
|
حطام المسافات البعيدة
1 ريح لافحة . وأجساد نحيلة تخرج من المسجد . تتجه إلى أعمالها وبيوتها . هرباً من عنفوان الريح وقيظ الظهيرة . ومن الخارجين . ينسل من بينهم هيكل آدمي في عقده السادس. كفيف البصر . مقوس الظهر . يتوكأ في مشيه على عصا كتآكله . يضـرب بها الأرض ، فإذا سمع صوتاً حاداً غير من مسار طريقه . ثم يعاود السير في نفس الطريق . الذي ظل يمشي فيه منذ صباه وفاء لوصية والده . آباه الذي ظل لآخر أيامه يأخذه معه إلى الصلاة . ولا يمنعه منها إلا إذا أقعده المرض أو الإبحار إلى صيد اللؤلؤ . وتبسم لما تذكر ماكان يسمعه من البحاره عن والده ، فمن أجل حباته كان والده لا يتردد عن السفر إليه في مختلف أوقات مواسمه ، حتى يوم أوكل إليه مهمة "النوحذة" ، ظلت نفسه تهفو إليه ، فيمكث أوقاتاً طويلة ينتزعه من أحشاء اليم . يكنزه في "الديين" ، بينما الذين في الخارج يدب الخوف في نفوسهم ، ولا يرتاح بالهم إلا إذا ظهر إليهم ، وفي الغالب يخرج من أعماق البحر مع إطلاقه صيحات عالية تصل الى عنان السماء ، فيسحب "السياب" "الأيده" ، يأخذ منه "الديين" ، يمد يده ليرفعه الى السفينة ، لكنه في بعض الأحيان يضحك ويعود ليغوص من جديد ، فيقف من على ظهر السفينة ومن في اليم مبهوتين ، يتبادلون النظرات والكلمات ، غير مصدقين مايرون فيه من جلد وإقدام و.... ، تنهد ، أخذ نفساً عميقاً وهو يتذكر شيئاً آخر ، يوم أخذه والده لأول مرة ليعمل "تباباً" على ظهر السفينة . وفي هذه المرة ، غاص والده كعادته لكنه لم يُر من بعدها ثانية ، ومع مضي الأيام سرت إشاعة بأن جنية البحر فُتنت به فاتخذته خليلاً ، وقال أحد الغاصة ، انه رآه في المنام ، يمعن النظر في محارة ضخمة ، ظل مشدوهاً بها ، هائماً فيها حتى أنسته نفسه ، وأجاب "عراف" لما سئل ، انه لا يزال حتى الآن يجمع المحار من قاع البحر. ذكره لأبيه قيأ الدمع من عينيه ,، أحس بثقل في قدميه ، فجلس في مكانه ، وتضاعف شجنه لما تذكر أمه وقسمها له ألا يقرب البحر ، فوافق على مضض ، واكتفى بالعمل عند أحد "الطواشين" ، وتذكر يوم طرد من الدكان عندما اتهم بالسرقة ، وسجنه ثلاث سنين ، فبقيت أمه وحدها تقاوم شظف الحياة والوحدة ، وظلت على هذا الحال حتى وافتها المنية ، وان دب الهمس ، أن جنية البحر ، من شدة هيامها ببعلها ، ومقتها من ترديده اسمها ، عزمت على الثأر منها بسحر أسود ليعجل في منيتها ، وحرمت وحيدها من نعمة البصر.
2 مرقت سيارة صفراء ، مخلفة وراءها دخاناً كثيفاً ، وحصيات متطايرة ، أيقظته من ماضيه ، فأدار وجهه الى الوراء ، بينما قائدها واصل السير حتى أوقفها امام باب المنزل ، ترجل يحييه بصوت عال "هاي بابا" ، ودخل المنزل موصداً الباب من وراءه .
الدوحة - ديسمبر 1996م
------------------ (1) النوخـذة: قائد السفينة (2) الــديين: وعاء يشبه الشبكة وفيه يتم وضع المحار بعد أخذه من قاع البحر . (3) السـياب : الشخص الذي يشرف على الغائص . (4) الأيــده : الحبل الذي يمسكه الغائص وينزل به ويظل ثابتاً بيد السياب الموجود على ظهر السفينة ليسحبه به عند عودته. (5) التبــاب: الاسم الذي يطلق على الصبي الذي يقوم بآداء الخدمات الخفيفة على ظهر السفينة. (6) الطـواش: تاجر اللؤلؤ
|
![]()
للتــواصـل
|
|